الرئيسية - عمود القلم الأسود - الأسوء من السوء

الأسوء من السوء

قبل سبع سنوات من الآن كان المغرب يغلي لإطلاق حركة احتجاجية عرفت بالأكبر في تاريخ المغرب الحديث، كان آنذاك شهر فبراير والعالم العربي يثور، وقد سقط النظام في تونس وهرب الرئيس،  وسقط نظام مبارك أيضا في مصر، واشتعلت ليبيا واليمن وسوريا، وكان لابد لهذا أن يصل بقدرة قادر إلى المغرب، حتى قال أحدهم العارف بدواليب المخزن، وهم الأمير هشام بأن ولو لم تصل هذه الاحتجاجات للمغرب، فإن أصحاب القرار لابد أن يوصلونها إليه، لأنها في مصلحتهم.

كان يعي ما يقول. فعلا وصلت هذه الاحتجاجات إلى البلاد وخرجت حركة 20 فبراير من حطام المجتمع المغربي، واتسعت شيئا فشيئا بعدما ضخت جماعة العدل والاحسان تابعيها، واجتاحت الاحتجاجات الشعبية المغلفة بمطالب سياسية كل المدن المغربية. فلم يتوانى النظام كثيرا حتى خرج بعد 20 يوما فقط بخطاب التاسع من مارس الذي اعتبر أقوى خطاب في تاريخ حكم الملك محمد السادس، يعلن فيه عن إصلاحات دستورية وسياسية عميقة. خطاب طبل له الكل، وتحفظ البعض الذين يعرفون جيدا ما يدور.

عين ما عين، وترك ما ترك، وعرفت الفترة المخصصة لهذه التعديلات أحداثا مثيرة، كان أبرزها تفجير أركانة الملغوم، وكذا إطلاق بعض معتقلي الأحداث الإرهابية السابقة وغيرها من الأحداث التي كانت تمهد لمرحلة أخرى أكثر صعوبة مما كانت.

بعض الأحزاب التي كانت ترى نفسها مغضوب عليها، وخاصة حزب العدالة والتنمية وجد في هذا الخطاب والتعديل الدستوري فرصة سانحة للظفر بالمجد. نفس الشيء ارتآه المخزن فيه، حيث كان بمثابة الورقة الرابحة والإسفنجة النقية التي سيمسح فيها أوساخه الماضية والآتية. في حين تفطن البعض للعبة وانسحب من الحركة المزعجة بعدما اخترقها المخزن طولا وعرضا، وكان لانسحاب جماعة العدل والإحسان الوقع الأكبر على هذه الحركة، حيث ظهرت للعلن أنها حركة ضعيفة جدا بمد جماهري ضعيف، ليست كما كانت في السابق حيث كانت الجماعة تضخ فيها الكثير والكثير من المناضلين والتنظيم.

سينقض عليها المخزن دفعة واحدة ويلتهمها ويتركها مجرد هيكل متأكل، ويمرر بعد ذلك ما أراد من الخطط والتنظيمات، وتفوز العدالة والتنمية في الخامس والعشرين من نونبر من نفس العام (2011) ويعين بنكيران المزعج أول رئيسا للحكومة في النظام المغربي. سيتلقى الطعم مرة، والطعن مرات وتستمر الحكومة عرجاء بدون تناسق ولا تجانس، يملي المخزن (حكومة الظل كما كانت تسمى أنذاك)  أوامره ويطبق بنكيران والأربعين حرامي الذي في محيطه بكل طواعية وتفان في العمل. وبسرعة قصوى تم تنفيذ المخطط المتفق عليه، حيث قضى على الطبقة الوسطى تماما، وزاد من تفقير الطبقة السفلى، بالمقابل ازداد الغني في تسلق سلم المجد والعلو.

كان بذلك بنكيران يعرف أنه ينتج لنا شعبا مسحوقا لا تزيد مطالبه عن الخبز والشغل والصحة و-التعليم إذ اقتضى الأمر-. فكانت بوادر حركات احتجاجية خبزية تلوح في الأفق، دشنتها حركة الطلبة الأطباء وحركة الأساتذة المتدربين، والحراك الشعبي بالريف، وأخيرا احتجاجات مدينة جرادة الشرقية واحتجاجات متفرقة أخرى، حركات ستجعل من الخبز والعيش الكريم (المغلف بشعارات سياسية) سقفها الأعلى. حركات ستعجز الحكومة وكذا النظام المخزني عن إطفاء فتيل فتيلها، وبات كل واحد يرمي الكرة في مرمى الآخر. وغاب الحل في الأفق القريب وحتى البعيد، اللهم إلا الحل الأمني الذي لازال مناضلون عدة يحاكمون بتهم واهية، في حين تزداد رقعة الفساد اتساعا دون حسيب أو رقيب، ويكون حال البلد والمغاربة أسوء من السوء الذي كان.