الرئيسية - عمود القلم الأسود - ” بظاظ ” انتحر في عيدهم

” بظاظ ” انتحر في عيدهم

لطالما تسربتْ إلى مسامعي أغنيته الشهيرة التي يخاطب فيها ” مول الكوتشي “، ومعها دوما كانت تتسلل إلى ملامحي علامة استفهام عن معنى هذا البظاظ الذي يُصير الإنسان هشا بل رميما تذروه رياح العمر، مرت السنين ولم أتجرأ على طرح السؤال، وذاتَ فُرجة سألتُ جدتي عن معنى ” بظاظ ” فأجابتني على استحياء : هو الحب يا بنيتي.

    الحب في زمنهم كان يتدثر بالحياء، يُلف في ألف غطاء وغطاء ومع ذلك تكشفه المعاملة وطول العشرة، الحب في زمنهم كان يشيخ معهم، ويموت بموت أحدهم، المرأة في زمنهم كانت تعيش في ظل زوجها كما تعيش الرعية في ظل سلطان عادل، لا تخشى انقلاب دهر ولا دخول مستعمرة في لحظات انفلات، وفي كون الحبيبة كانت مصانة حتى يمتلكها حبيبها بالحلال، كان الحب طاهرا مثل نياتهم وإن سألتهم عنه لن يقولوا حتى ” بظاظ ” وإنما هو مودة ورحمة وسكينة ورجولة وأنوثة.

البارحة في عيدهم سألهم أحد متسكعي الصحافة الصفراء اللذين يجوبون الشوارع بأسئلتهم الغبية عن معنى الحب فتلعثمت الشفاه وعجزت الكلمات عن التعبير، الهذا الحد هو سؤال تعجيزي ؟

لا ليس كذلك وإنما الحب لا يحتاج لإيضاح، الحب هو الحب وكفى. أم أن الحب هو رغبة وشهوة واكتفى؟؟

فتلعثمت الشفاه من جديد، جمعوا شتات ورودهم التي يشتم منها رائحة النفاق والخداع ومضوا إلى محبوباتهم الافتراضيات.

لكن هل كان من الصعب على أحدهم أن يجيب أن الحب أخلاق،  تضحية، نقاء وصفاء. وأنه ارتباط روحين بمصير واحد ؟

أكان من الصعب على أحدهم أن يصف حبيبته على أنها سقف أمنياته، أنها قمر حياته ، وأنها زوجته المستقبلية بدل أن يصفها ب ” العشيرة ” و ” الفردة ” لتصبح فعلا بذلك فردة حذاء حالما يداس عليها ترمى في اقرب قمامة لا يرضى انتعالها حتى متسولي الطرقات ؟

أكان من الواجب أن يعبر هو عن الحب عن طريق تقييدها بوعود شهوته وأن تعبر هي عن الحب بتنازلها عن كل ممتلكاتها، فيعلنان الإفلاس بعد الاكتفاء وينتحر بظاظ ؟

مؤسف هذا حقا، ومؤسف أن يختلط علينا مفهوم الحب في عيده لدرجة أننا لا نجد الكلمات لوصفه، والمؤسف أن تصبح أقصى أماني الفتاة أن تجد من يحبها لذاتها لا لجسدها، وأن يصبح أقصى أمنيات الرجل أن يجد من تحبه لشخصه لا لمثقال جيبه.

مؤسف أن نصدر ما تبقى من بقايا الحب الطاهر لنستورد هذه العلاقات التي تغرز في كل يوم طعنة في قلب ” بظاظ “، هذه العلاقات المستفزة للأخلاق بخدشها للحياء العام في الشوارع، بكلماتهم البذيئة التي لا صلة لها بواقع هذا الإحساس النبيل، بزيفهم وخيانتهم وسوء معاملتهم وأنانيتهم واستغلالهم لبعضهم البعض تحت مسمى ” الحب “، فمتى اجتمع الحب مع الحرام وسوء الاخلاق، حُذف الأول.

اشتقنا الى الحب، الى بريق عيون حالمة طيبة رحيمة تستعف عيون السماء أن يجمع بينهما في عش صغير، افتقدنا تلك الأيادي المتمسكة ببعضها وتفترقا حياء من غريب آت، اشتقنا إلى خجل ووعد صادق، اشتقنا إلى تضحية ووفاء والى أخلاق.

فاتركوا الحب يتسلل من جديد الى قلوبنا، اتركوه يتنفس الصدق كما كان، ففي كل مناسباتكم الزائفة تدفعون به إلى الانتحار.

نوال غــازي

 

البيضاء 16 فبراير 2018