الرئيسية - عمود القلم الأسود - صبْرُ الحَميرِ والإبلِ

صبْرُ الحَميرِ والإبلِ

  لطالما سمعْتُ من الكبار عبارةً مفادُها أنَّ (القُدامى لم يتركوا لنا شيئاً لنقولَه)، فهؤلاء القدماءُ لمْ يغادروا كبيرةً أو صغيرةً، وذكروا أشياءً حدثت، وما زالت تحدث، وستظل تحدث، وأدْلوا فيها بآرائهم، وأرْسلوا فيها أحكامَهم، ذلك أنَّ الإنسانية تعرفُ أمراً يُسَمّى (المُشْتركَ)، يشتركُ فيه بنوها أجمعون، مهْما اختلفوا في أعراقهم وأجناسهم ومعتقداتهم وبيئاتهم.

ففي الحياة تجاربٌ تتكرر، فتتشابه نتائجُها، وتتوحَّدُ دروسُها وعِبَرُها، وتصلُحُ للسابقين واللاحقين معاً. وميدانُ التجارب الإنسانية أبْرَزُ ميدانٍ يتضح فيه هذا (المُشْتركُ). وما تركه له الأقدمونَ من أقوال، أو أمثالٍ، أو رسائل، أو آدابٍ، نجدُ فيه كثيراً مما يوافقُ من أحداث جاريةٍ وتجارب حاضرةٍ، وبخاصة ما جاء في كتبِ هؤلاء الأقدمين، ومن هؤلاء الكاتبُ العربي/ الفارسي “ابن المقفع”، وممَّا جاء في كتابه (الأدب الكبير) أنَّ «اللئامَ أصبرُ أجساداً، والكرامَ أصبرُ نفوساً، وليس الصبر المحمودُ الممدوحُ بأن يكونَ الرجلُ جَلِداً وقّاحاً على الضرب، أوْ رجْلُهُ قويَّةً على المشْيِ، أو يدُهُ قويَّةً على العمل، فإنَّ هذا من صفاتِ الحميرِ، ولكنَّ الصبْرَ المحمودَ أنْ يكونَ للنفسِ غَلوباً وللأمورِ مُحْتملاً وفي الضَّرِّ مُتَحَمِّلاً».

وإني ما كدْتُ أقرأ هذا الكلام حتى تراءى لي رجالٌ لئامٌ، ورجالٌ آخرون كرامٌ، واستحضرتُ صورهم وأشكالهم وأجسامهم وأعمالهم، فتشكلُ لي الأولون حميراً والآخرون إِبِلاً، والصبرُ بينهما قبيحاً وجميلاً.

فأما اللئامُ فإنَّ صبْرَهم صبْرُ الأجسادِ، يعتمدون عليها (الأجساد) في مُجالدَة الأحداث ومصارعة الأشخاص ومقارعة الأفكار، ويلجأون إلى الضرب والقسوة والعنف، ولا يهمُهم أن يظلموا الناس، ويفتروا عليهم، ويجنوا عليهم بالباطل.

وأما الكرامُ فإنَّ صبرَهم صبرُ النفوسِ، يرجعون إليها (النفوس) في النظر إلى الأمور وقياس الحوادث ووزْنِ الآخرين، فيستمعون إلى ما تخبرهم من الحقِّ، وما تأمرهم به من عدْلٍ وإنصافٍ.

طبْعاً لا ننسى أن النفسَ أقسامٌ، وما يهمُنا هنا هي النفس اللوامة، لأنها هي التي تشتغلُ عند الكِرام أقوى مما تشتغلُ الأقسامُ الأخرى، وهي التي تجعلُهم يغلبُون نوازِعَهم القبيحةَ، ولا يبطشون بأرجلهم أو أيديهم، ويتحملون الشَّرَّ والضَّرَّ؛ لأنهم ينأَوْنَ بأنفسهم أن يكونوا حميراً!