الرئيسية - إبداع - كتاب: دروب مورسيا الضيقة (29)

كتاب: دروب مورسيا الضيقة (29)

 

يوميات شخص يسكن حلمه

 

فرنسا تدخل النفق المظلم

الناس في الخارج تعد الأرقام عدا تنازليا للاحتفال بالعام الجديد، أنا وحدي في الغرفة التي أكتريها وزملاء لي، أتفحص هاتفي متطلعا للأتي، غير مكترث لا بنهاية العام ولا ببداية آخر، فكل الأيام بالنسبة لي هي أيام تعد بالآهات، وكم من آهات لم يلتقطها العام الذي سنودعه بعد لحظة…

عام سيعري إنسانيتنا وعورتنا للعالم، عام ينذر بالأسوء، كنت قد كتبت في دفتر آهاتي كل المآسي والنكسات، من بين ما عثرت عليه الليلة بين دفتي هذا الدفتر مقال كنت كتبته ونشرته، مقال معنون بـ: سجل عربي بن عاهرة

يقول مطلعه:

افتح أيها التاريخ صفحاتك الوسخة وسجل أنا عربي، أحمل بين ضلوعي حلمي وتعبي، طفل حرمتُ من لهوي ولعبي، تائه بعد أن هجرت من الحارة التي كنت فيها وحوصرت أياما في دربي، سجل أنا لا أحمل إلا ملامح حزني وكربي.

سجل وأكتب باللون الأحمر أنا نتاج الدمار والخراب، سجل أنا من بلاد الأعراب، من صوت الموت أتيت، والمشانق والحبال، سجل أنا تائه بين الفيافي والبحار والجبال. سجل أنا طفل يحمل كثير من الأثقال، أنا من هناك حيث تموت الانسانية كل يوم وينهزم السلم، ويعلن استسلامه أمام نعيق البوم.

سجل أيها التاريخ،  عربي بن العاهرة، أم اغتصبت كرامتها بين الرباط، الرياض، دمشق والقاهرة، سجل عربي أنا ممنوع من الصرف والإعراب، أنا ابن الخراب، أنا من زمن الغراب، باعوني جملة وبالتقسيط قوم الأعراب، تتقاذفني أمواج البحر ويرفضني التراب، أنا معادلة الطرح والجمع والضرب، جثة هامدة على طاولة الأمم يقرعون عليها كؤوس الشراب والنخب، سجل بكل قواك العقلية أنا من بلاد العرب.

سجل أيها التاريخ وبدون خجل، عربي ابن العاهرة، أم فقدت عروبتها بين العواصم وولدت سفاحا في القاهرة، سجل عروبة عاهرة تفتح رجليها للسكارى من بني جلدها والغرباء وتجار الدم والخراب يلهون بها، سجل عربي سفاح في بلاد الكرامة، سجل لا أحمل إلا حلما صغيرا وكثيرا من الندامة، سجل أنا لا أتأبط بين ذراعي لا أحزمة الموت ولا رسائل الفناء، أتأبط قلبا جريحا مهزوما وحمامة، سجل أيها التاريخ عن أم ضاعت بين طرابلس، بيروت، بغداد، والمنامة.

مقال لم يكن سوى لوحات مأساة في البر والبحر، مأساة ونذير شؤم يحوم بالبلد الذي نحن فيه، كانت فرنسا تسابق الزمن لمواجهات التهديدات المتكررة من هنا وهناك، كل مرة يطل مسؤول في الإعلام ويحذر، لكن لم يكن يعلم أحد بأن بات قريب جدا. وأن الارهابيين الذين كانوا يخشونهم يسكونون معنا في هذا البلد…

يتبع…

في الأربعاء الأول من يناير 2015 سيبعث الإرهاب من لا شيء، سوى من نظرات أصحاب الأرض المحتقرة والعنصورية للوافدين والعابرين، ستستغل الجماعات المتطرفة هذا وتزرع أولى بوادر القتل المجاني والمنظم، وستدخل فرنسا نفقا مظلما جدا..