الرئيسية - إبداع - كتاب: رسائل حواء (الرسالة الرابعة)

كتاب: رسائل حواء (الرسالة الرابعة)

الرسالة الرابعة

مساحيق الجمال

  • عزيزي آدم :

    أتراني أُعجبكَ؟

    نعم أعلم .. وأعلم أنه كلما تزينتُ في حضرتكَ وتعطرتُ تزداد أنتَ إعجابا وأزداد أنا تألقا وجمالا، كنجمة تلمع تحت ضوء القمر، كزهرة تفوح عطرا عندما تسقيها حبات المطر. لكني مللتُ تعجرفكَ وتناقضكَ، سئمتُ تكبركَ وحديثكَ المستهلك في كل مناسبة وبدونها عن كونكَ يا ” آدم ” أنت الأجمل.

 لا يَضُرُّنِي كونكَ جميلا على الطبيعة، فأنا بطبعي أُحِبُّ الجمال، لكن ما يَضُرُّني حقًّا هي استفزازاتكَ المستمرة وافتراضاتكَ الواهية التي تقول بأني لو كنتُ جميلة ما كنتُ لأتوارى خلفَ علبة ألوان طيف مُزعجة، وأنه لولاَ المساحيق اللعينة لما كنتُ ” حواء ” المخلوقة الناعمة الفاتنَة !

مساحيقي اللعينة – كما تُسميها – لم تعد حِكرا عليَّ فقط أصبح ينافسني عليها بعض ” الآدميين ” من زمرتكَ أيضا، أولئك اللذين يقفونَ أمام المرآة أكثرَ من ” حواء ” نفسها، يضعونَ الكريمات المرطب،ة ولا يستغنون عن العُطور بجميع ماركاتها المُؤثرة، يجلسونَ بالساعات عند مُصفف الشعر، يرتدونَ الألوان الزاهية ويُلاحقون الموضة مثلي بالذات، كُلّ هذا ليظهروا في أبهى حُلَّة.

 وأنتَ يا ” آدم ” كم مرة استرقتُ إليك النظر وأنتَ جامد أمام المرآة تسألُ نفسكَ وأنتَ غير راضٍ عنها ” واقيلا تْغُوفَلتْ ” ؟

  نعم  “تْغُوفَلتي” يا آدم ، تبدُو مُشتَّتا، مُشردا، مُشعتا و في أبشعِ حالاتكَ،   فأين هو الجمال الرباني الذي أعلنتَ الحربَ معي لأجلِ إثباته؟

 أنتَ أيضا تسعى لتجميل نفسكَ ولولا هذا الاعتناء الخاص بالمظهر ما كنتَ لتُعجَبَ بنفسكَ وتثق في قدراتك، لكن تأكد أنَّه لو خُلق ” الماكياج ” لكَ بدلي لكُنْتَ استعملتَهُ، فالحمد لله أنَّهُ لم يُخلق لكَ، بل خُلقتْ لي رجولتكَ وإلاَّ ما كنتُ لأِحبَّكَ.

فلتقف دقيقة صلح مع نفسكَ يا ” آدم ” وصارحني ماذا تريد مني، أي من ” حواء” ؟

عندما أتجمل لكَ تصفني بالمُهرجَة وتحكي لي عن ألوان الطيف والجمال الرباني ويعانقكَ فجأة الإلهام، فتتفنَّنُ في حَبْكِ تلكَ المستملحات عنِّي والتي لا تُضحكني أبدا. وعندما أعانقُ الطبيعة وأتركُ لكَ نفسي على سَجِيَّتِهَا ولا أكترثُ بحالي ولا بحالكَ تُبرق وتُرعد وتقارنُنِي ببناتِ جنسي اللواتي يكتسحن العالم الخارجي، وتصبح فجأة داعية تُفتي في مزايا التجمل وتدعوني إلى التبرج بكل أنواعه وعلى كل أحواله، وتُهدد بالتعدد بلا تردد و…!

خلاصة القضية لن أسمح لكَ أن تكون جلادي، ولن أُمثل دور الضحية، فليكُن في علمكَ أن جدتكَ وجدتي من ذاك الزمن الجميل اللواتي تقارنني بهن في كل لحظة، كُن أيضا يستعملن أشياء لتضفي شيئا على أنوثتهن من كحل وسواك وحناء والقائمة طويلة. كُن يتفنن في التجمل بكل ما وُجد لديهن حينها، فالزينة فطرة فينا نحن النساء، الزينة هي تلبية لنداء الأنوثة، والفرق بيني وبينهن شيء من الحضارة فقط.

وأخيرا فلتفهم أنه لم يُخلق القبح لي، وأني خُلقت جميلة لأُجَمل حياتكَ فيا لغبائكَ. وليس في نيتي التحايل عليكَ – كما تدَّعي – بواسطة علبة ألوان التي قد انفصل عنها في أي لحظة، فحواء لا تنفصل إلا عنكَ أيها الآدمي.

لديَّ كل تقاسيم الجمال التي لولاها لما استطاعت ريشة ” الماكياج ” أن تُخرج هذه اللوحة الفنية إلى عالمكَ والموقعة باسمي. لدي خجلي بوردة خدودي ماركة أنثوية محضة لا تباع، وإنما استمدها من تغزلكَ وإعجابكَ بي، فكلما غازلتني وأحببتني بعمق وعبرتَ لي بصدق عن مشاعركَ تجاهي، أُزهرُ أمامكَ كما شقائق النعمان في فصل الربيع.

أتعرفُ شقائق النعمان ؟ 

نعم هي تلك الزهور التي تخلب الأنظار بروعتها ولونها الناري. فأنتَ سِرّ جمالي كفاني غرورا، وأنا سِرّ وجودكَ كفاكَ انتقادا.

 

اللوحة: حنان الحمداوي