الرئيسية - عمود القلم الأسود - أنا مع الفلسفة

أنا مع الفلسفة

وضع العديد من رواد الفيس بوك شعار: “أنا مع الفلسفة” على بروفايلاتهم، دفاعا على حرية التفكير التي تتيحها هذه المادة لمتعلميها، بعد الجدال الذي دار حول تغييب مادة الفلسفة من امتحانات الباكالوريا و تعويضها بمكون التربية الإسلامية. على اثر هذا القرار المفاجئ  وقف محبي الفلسفة و عشاقها حائرون، يتساءلون… لم يستوعبوا الهدف العام من وراء هذا القرار المجحف في حق التفكير الفلسفي. فعلقت لافتات “أنا مع الفلسفة” على بعض أعمدة الفسيبوك كرد فعل استنكاري، و ذلك أضعف الايمان.

 بعدما أفرغت المقررات الدراسية من محتواها الطبيعي و انهار جدار التعليم بالمغرب واحتل مراتب متأخرة في الترتيب العالمي، تفاجأنا قبل أيام قليلة بمحاولة تقزيم مادة الفلسفة وإقصاؤها من امتحانات الباك، و بالتالي تهميشها من لدن المتعلم، لتصبح مادة اختيارية ما دام التلميذ لا يجتاز فيها الامتحان، في المقابل تعطى الأهمية أكثر للمواد التي تعتمد على الحفظ فقط، لانتاج متعلم كوعاء فارغ يملأ بالأفكار الجاهزة دون الحاجة لتشغيل الفكر و إنتاج مفاهيم مزعجة لا تروق الكبار.

تقزيم مادة الفلسفة _وهي المادة التي تنتج شروط الوعي و المعرفة الحقة_ هي محاولة لاجتثاث ما تبقى من الجذور الحية لتعليم حقيقي في المدرسة العمومية. 

   السياسات المتعاقبة غيرت مجرى التعليم، و أصبح واضحا حتى للأعمى أن منظومته انهارت، ويعلم الجميع أن المستوى الدراسي في المدارس العمومية،  و حتى في الجامعات المغربية نزل إلى حدوده الدنيا، و مستوى الوعي والثقافة محدودين جدا. سياسات عملت على تهميش التعليم منذ الاستقلال إلى الآن، و أنتجت جيش من المتعلمين معاقين ذهنيا يكرسون الجهل و الأمية في المجتمع و في ذلك مصلحة لفئة قليلة. إذن لا داعي للخوف من الفئة المتعلمة ما دامت تتلقى دروسا فارغة من محتواها الحقيقي، و ما دام معظم الطلبة الجامعيين مستواهم ضعيف، و الفلسفة بدورها لا تشكل خطرا عليكم يا سادة، لأن الدروس المقدمة للمتعلمين منتقاة بعناية فائقة من جهات عليا. 

   هذا حال الفلسفة مع الساسة منذ القدم، حيث عرفت صراعات مريرة مع محيطها منذ نشأتها الأولى في القرن 6 ق.م، عندما أراد الناس أن يدلوا برد علمي عن سؤال: ما هي المادة الأولى التي يتشكل منها الوجود؟ بعد التفسيرات السائدة والتي كانت تقوم على الأسطورة و الخيال و اللاهوت. هذا الصراع سببه هو: سوء الفهم الكبير بين الفلسفة و المجتمع، و كان للساسة دور كبير في تعميق الهوة بين الفلسفة و الناس، لأنها تأتي بأفكار لا يرغبون فيها، و اعتبروها مادة تفكيرية تعيش في برجها العاجي على هامش التاريخ. و يعتبر سقراط الشهيد الأول للفلسفة، حيث اقتحم أسواق أثينا و كان يخطب في الناس و يكشف لهم عن جذور الوهم في المعتقدات الشعبية و يطالبهم بالتمرد و الثورة، فكان مصيره الإعدام. يقول شيشرون: “سقراط هو من أنزل الفلسفة من السماء زلى الأرض، و أدخلها البيوت، و جعلها تسوس أحوال الناس…” إيمانا منه بأن الفلسفة تصنع التغيير الذي يزعج الساسة.

في العصر القروسطوي احتد الصراع بين الفلسفة و الدين و اشتد سوء الفهم خلال هذه المرحلة ما جعل التفكير الفلسفي بعيدا عن الأذهان. و قامت الفلسفة الغربية الحديثة على أنقاض فلسفة العصر الوسيط فانطلقت من ضرورة القيام ب”ثورة” على المقدس و تحطيم نفوذ السلطة الدينية للكنيسة، هذه المرحلة عرفت بصلابة الأنساق الفكرية للباحثين: النسق العقلاني الديكارتي و النسق النقدي الكانطي و مثالية هيجل و مادية فويرباخ، هذه الأنساق خلقت نوعا من النفور لدى العامة. و احتلت الفلسفة المعاصرة الريادة على يد: سارتر، ميشيل فوكو،هيدجر،هابرماس… و ساهمت أنساقهم الفكرية في تعزيز وضع الفلسفة في سياقها الاجتماعي و كسب انخراط الفلسفي في المجتمعي، الا أن الأسئلة العميقة التي أثارها هؤلاء حول الانسان و الوجود العام تضمنت نوعا من الشك لأنها تنطوي على مفاهيم يصعب على رجل الشارع فهمها. 

   يمكن اعتبار صراع الفلسفة مع محيطها شيء طبيعي نظرا لعدة تراكمات، لكن السؤال المؤرق هو: ما السبب الذي جعل الساسة يحاربونها بكل ما أوتوا من قوة؟ في نظري يبدو أن الفلسفة تفكير مشاغب يخلخل المتعارف عليه و يبلور نظرة نقدية عقلانية لفهم الذات و الواقع بعيدا عن الأحكام المسبقة، و يطرح اشكاليات و أسئلة وجودية مرتبطة بأشكال التعاطي مع منطق المجتمع و تحولاته الكبرى، و ينتج معاني حقيقية قادرة على مواجهة عمق الأزمة التي يعيش فيها الناس، و يسعى هذا التفكير لاقامة الفرق بين المعرفة الحقة و المعرفة العامة. هكذا تغدو الفلسفة مقاومة لليومي، تمارس وظيفتها الأساسية و هي الانتقاد. الا أن رجال السياسة المنعمون في أماكنهم لا يحبون تفكيرا يزعجهم و ينتج التغيير و يقض مضاجعهم. لكن رغم الصعوبات و التحديات التي تواجه الفلسفة منذ القدم الا أنها تشق طريقها بثبات محدثة تغييرا جذريا في كل بيئة توفرت فيها الشروط اللازمة لنموها، و طبيعي أن تستمر الفلسفة لأنها مرتبطة بالعقل و التفكير البشري، و الانسان بطبعه يتفلسف كلما اختلى بنفسه.

   على هذا الاساس يكون تضييق الخناق على الفلسفة مناورة فاشلة يسعى من خلالها اعداء التنوير الى تعطيل دور العقل، اذ عبره يتبلور فكر الاختلاف و يتعزز الشعور بمناهضة كل أشكال العنف و الاقصاء و التهميش.