لا شيء يهم..

 
لا يهمني تأويلهم لكتاباتي، ومحاكمتهم لي بجُرم الكتابة، طالما أنني شرعت في مزاولتها بهدف طرد أشباح الذاكرة، وتجميل ندوبي الروحية..
لا يهمني وضعهم حروفي تحت المجهر، وتنقيبهم عن زلاتي وسجل سوابقي الأدبية، ونبشهم لقبوري التي ليست سوى دفاتري القديمة، لأن من يمتهن الكتابة، آخر مايهمه هو اخضاعه للتشريح الابداعي..
لا يهمني أن يتقربوا مني فأبدو لهم غريبة الأطوار، لأن الغرابة الحقيقية تكمن في محاولاتهم الفاشلة لجعل كل الأشخاص الذين يمرون في حياتهم، نسخا مكررة عنهم، يصيب ملامحها التشوه من فرط تماهيها معهم..
لا يهمني عدم مشاركتهم معي أفراحي، وعدم وقوفهم دقيقة صمت على أتراحي، ولا دعواتهم المتواترة لي كي لا أتشح برداء الحزن، وأمضي معهم في طريقهم إلى كرنفال البهجة المصطنعة..
لا يهمني تحلقهم حولي كما لو كنت مغارة علي بابا، ولا اعتقادهم الساذج أنني المصباح السحري، لأن مدرسة الحياة علمتني أن أتخذ جميع الاجراءات الاحترازية، تحسبا لهجوم الأربعين حراميا علي، وتجنبا للوقوع بين أيدي هواة فرك المصابيح السحرية..
لا يهمني أن يغرقوني في بحر من الأقوال الكاذبة، ولا أن يمثلوا أمامي أدوارا بطولية، ببساطة لأننا صرنا في زمن الأقوال الخداعة لا الأفعال الصادقة، ولو كان بامكاني، لافتتحت منذ مدة مكتبا لتصدير أقوالهم العملاقة، واستيراد أفعال حقيقية بدل أفعالهم القزمة..
لا يهمني اسرافي في حبهم، ومغالاتي في تمجيدهم، ولا سعيي وراء ترميمهم وتجميلهم، فأحيانا، يجعلنا الفراغ الملتف حولنا في حاجة ماسة إلى الكذب على أنفسنا، والتلاعب بعقولنا، والتحايل على أعيننا بخدع بصرية كثيرة، فقط كي نصنع لهم أحجاما لا تمت إلى أحجامهم الحقيقية بأدنى صلة..
لا يهمني أن يقرأني أصحاب القلوب العمياء، لأنهم لن يتمكنوا أبدا من استيعاب دفق مشاعري، وفهم رسائلي، ذلك أن قلبي لا يخط سطوره إلا لذوي القلوب المبصرة..
لا يهمني اكتشافي حقيقة أن بعضهم مجرد فقاعات صابون تتلاشى في الهواء، وأن بعضهم الآخر ينتمي إلى صنف المشتقات الزئبقية التي يستحيل امساكها، لأن الآثار التي تخلفها الفقاعات والسموم التي ينضح بها الزئبق، أهون بكثير من الأثر التدميري لكائنات تشبه إلى حد كبير قنابل عنقودية..
لا يهمني قولهم إنه ما من وصفة جاهزة للنسيان، وتصويرهم للانعتاق من سجن الذكريات على أنه رابع المستحيلات، مادام احراق الجثت المدفونة في أقاصي الذاكرة وطرد أرواح الحب الشريرة، ممكنين..كتابة..
لا يهمني أن أدرك أن الأحاسيس البشرية أصبحت شبيهة بعملات مزورة، وأن بنوك القلوب أضحت مفلسة، لأنني لن ألجأ إليها يوما بغاية اقتراض حفنة من المشاعر المزيفة، بما أنني لا أقبل سوى على جمع العملات الحقيقية التي ندرت في عصر غسيل القلوب..
لا يهمني أن يعودوا بعد أن ألغيتهم من حساباتي، فللعودة – شأنها شأن الكثير من الأشياء- تاريخ صلاحية محدود..