الرئيسية - عمود القلم الأسود - استراحة - وقفة مع فلسفة الفيلسوف

وقفة مع فلسفة الفيلسوف

لقد أثارت قضية إقصاء مادة الفلسفة في جميع شعب ومسالك البكالوريا المهنية واستبدالها بمادة التربية الإسلامية في الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا المهنية، ضجة في مواقع التواصل الاجتماعي، على اعتبار ان هذا القرار الانفرادي ليس مسئولا، و هو الأمر الذي رفضه مجموعة من الأساتذة و المكونين  و الطلبة و الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة  والهيئات الجمعوية، بدعوى أنه هجوم مقصود على الفلسفة في وطننا، هدفه إقبار الفكر النقدي و تنميط المدرسة المغربية، خصوصا و أنه تم استبدال مادة الفلسفة بمادة التربية الإسلامية و هو نوع من تكريس للفكر الدوغمائي على حد تعبير أحد الرافضين لهذا الإقصاء.

و يرى الرافضون لهذا الإقصاء ، أنه لا يتماشى و السياسة التربوية العامة، حيث أقرت التوجيهات التربوية الخاصة بمادة الفلسفة بمكانة هذه الأخيرة داخل المنظومة التربوية ، و هذا ما جاء فيها ” يعمل تعليم الفلسفة، في السلك  التأهيلي من التعليم الثانوي، على تنمية الوعي النقدي والتفكير الحر و المستقل، و على التحرر من مختلف أشكال الفكر السلبي( الدوغمائية، التبعية الفكرية، التلقي السلبي للمعارف و الآراء و المعلومات، السلوك الآلي اللاواعي، العنف، الخوف و الجبن الأخلاقي…الخ)، كما ينمي حس المواطنة الايجابية الفاعلة، و التشبع بالقيم الإنسانية الكونية.

إن تعليم الفلسفة هو تكوين و تربية مشروع مواطن كوني متحرر و مستقل و مسؤول، يرتقي بشخصيته و تاريخه الخاص المحدودين في الزمان و المكان إلى مرتبة الكرامة الإنسانية” . لكن لماذا تصر الجهات المسؤولة، و بالدرجة الأولى وزارة التربية الوطنية على إقصاء مادة الفلسفة من هذه المسالك، رغم هذا الإقرار بأهميتها و دورها في تكوين مواطن الغد، مواطن متشبع بالقيم الإنسانية الكونية، رافضا للتبعية الفكرية متحرر و مستقل و مسئول عن أفعاله و سلوكاته.

و هنا سأطرح سؤالا: هل حقا تقوم الفلسفة بدورها في ثانويتنا اليوم؟

صحيح نحن الى جانب الفلسفة ، لكن يجب أن نحدد أي فلسفة نريد لأبنائنا في ثانويتنا، أنريد تلك الفلسفة التي يدرسها الكثير من الأساتذة انطلاقا من الكتب المدرسية، أم أننا نريد  فلسفة تؤكد أنها لا بد من وجودها في مؤسستنا اليوم قبل الغد؟

ما هو قائم اليوم في درس الفلسفة ينتصر للتوجه الأول، و بالتالي لا يمكن الحديث عن الفلسفة إلا باعتبارها معارف/مضامين لا تختلف في شيء عن مادة التربية الإسلامية و الإجتماعيات و غيرها من المواد المدرسة، نظرا لما يقدمونه مدرسوا المادة في درسهم الفلسفي الذي لا يخلو من الاعتباطية  و العشوائية. فعندما نقول بأن الفلسفة مادة التفكير النقدي و ممارسة الشك و السؤال، فنحن بهذا لا نقدم شيئا للفلسفة بقدر ما أننا نجعلها في درجة مساوية للمواد الدراسية الأخرى من حيث الكم المضموني الذي لا يجد فيه التلميذ إلا الممل و النفور.

و لهذا يجب أن نتحلى بالمسؤولية جميعا كغيورين على الفلسفة  و نعترف بأن نعت هذه الأخيرة بأنها لا تنفع في شيء كما صرح بذلك الوزير الداودي سابقا، و بإقصائها من المسالك المهنية مؤخرا، مرده إلى  تقصير  من قبلنا في إيصال هذه الفكر الى المتعلمين في حقيقته. لهذا يجب أن نعيد النظر في الدرس الفلسفي الذي هو بالأساس درس القيم الفلسفية التي لا تملى على التلاميذ و إنما ممارسة تستوجب جهدا ليس بالسهل . كما يجب أن نعيد النظر في ما ندرسه لأبناء الشعب على انه فلسفة بينما هو في الحقيقة ليس بفلسفة، فقولنا أن الفلسفة هي قال ديكارت و قال أرسطو و موقف ارسطو يعارض موقف ديكارت فهذا ليس بفلسفة على الاطلاق. ان الدرس الفلسفي يكمن جوهره في  كيف يمكننا ان نترجم ما قاله هؤلاء الى قيم فلسفية يعيشها الأستاذ في شخصيته أولا حتى يستطيع أن يقدمها لتلاميذته، انه درس قيم قبل أن يكون درس معرفة، فل نعيش القيم الفلسفية في حياتنا اليومية قبل أن تمارس فعل الإرشاد و الموعضة باسم الفلسفة و أقول قولي هذا و انتهي …