الرئيسية - المقالات - مرنيسة تعلن حالة الطوارئ!

مرنيسة تعلن حالة الطوارئ!

في مقدمة سلسلة جبال الريف الشامخة شمال المغرب، وعلى مقربة من من مناطق إقليم الحسيمة وأخرى تابعة لإقليم تازة، ترتمي هناك بلدة اسمها “مرنيسة”، معزولة عن العالم الخارجي، حيث يتكالب الفقر هناك مع التهميش والإقصاء واللامبالاة ليفتك بساكنة المنطقة وينكل بهم شر تنكيل. هذه المنطقة التي سجلت بطولات كبرى في مواجهتها للمستعمر، وما المعارك التي اندلعت هناك أو بالجوار بين رجال المقاومة والعدو سواء تعلق الأمر بالمستعر أو الخونة، إلا أدلة دامغة على قوة ووطنية ساكني هذه المنطقة.
في مرنيسة ومنذ الإستقلال كل شيء يسير نحو الخلف، والكل يسبح ضد التيار، ولا مؤشرات تعد بمستقبل زاهر للمنطقة وساكنتها. وضع إقتصادي راكد، وآخر اجتماعي هش، وحالة الإحباط واليأس تخيم على المنطقة وساكنتها. معاناة على مدار السنة تعيشها الساكنة، معاناة الصيف مع ندرة المياه، ومعاناة الشتاء مع البرد القارس والرياح القوية والثلوج والأمطار الطوفانية.
يوم الأربعاء الماضي خرجت السلطة المحلية بمرنيسة تعلن حالة استنفار قصوى بالمنطقة بسبب سوء الأحوال الجوية، وتحذر المواطنين من الخروج من بيوتهم، وإلغاء السوق الأسبوعي المقرر ليوم الغد (الخميس)، كما أغلقت أبواب المدارس في وجه التلاميذ والأطر العاملة بها إلى إشعار غير معلوم، وعطلت المراكز الصحية والمصالح الإدارية…. هي تحذيرات وإنذارات خفقت معها قلوب أهالي مرنيسة، وزعت الرعب والخوف في نفوس الصغار قبل الكبار، حاملة معها قصة مختلفة عن كل القصاص، وتسارعت دقات قلوب هؤلاء خوفا مما ستؤول إليه أوضاعهم داخل بيوتهم البسيطة ومنازلهم المعزولة التي تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم.

تلك هي صور ومشاهد توثق لمعاناة لا تنتهي، ووضع لا إنساني يعيشه هؤلاء على مدار السنة، و يزداد سوءا مع حلول فصل الشتاء من كل سنة..
حالة الطوارئ بمرنيسة ليست مرتبطة بسوء الأحوال الجوية فقط، ولا هي موسمية ،بل هي دائمة مستمرة منذ فجر الإستقلال، حيث ظلت على الدوام محاصرة ومعزولة عن العالم الخارجي بعد التقسيم الشيطاني الذي زج بها في خانة المغرب المنسي، ويتجلى ذلك من خلال المنازل التي تعلوا جدرانها الطينية تشققات وشروخ عميقة طبعتها عليها زخات من أمطار هادئة لم تدم غير ساعات قليل، وفي أولئك الرجال الذين يغادرون منازلهم منذ بزوغ الفجر ولا حق لهم في العودة حتى تعود العصافير إلى أوكارها، وفي تلك النسوة اللائي يحملن أثقالاً فوق ظهورهن حيث يكسو الإرهاق والتعب محياهن، في أولئك الأطفال الذين حرموا من حقهم في التعليم ومتابعة دراستهم، وفي ذالك المعلم الذي كره التدريس منذ تعيينه في منطقة يعيش فيها الذي كاد أن يكون رسولا محروما أبسط شروط العيش الكريم والمعاناة طوال السنة الدراسية، وفي تلك الأرجل السقيمة التي تقطع يومياً عشرات الكيلومترات أو تركب قوارب الموت (207) لتصل إلى حجرات تقتل أي تحفيز للتعلم، وفي ذلك المريض الذي يحتضر يومياً دون حضور سيارة إسعاف لنقله إلى المستشفى قصد تلقي العلاج،وفي تلك الحوامل اللواتي لا يجِدن مكانا للوضع إلا داخل السيارات أو أمام أبواب المستشفيات، وإذا إشتد الوجع وتجاوز حدود التحمل تودع الحياة وتسلم الروح لبارئها، وفي تلك الساكنة التي تعاني في صمت.

 وكذا تكمن (حالة الطوارئ هاته) في ذلك الفلاح الذي منعته مياه الوادي من التسوق، وفي ذلك السائق الذي جرفت مياه الفيضانات سياراته، وفي أولئك الأطفال الذين لم يتذوقوا أبداً معنى “الطفولة”، وفي تلك النفوس التي تموت وتحيا كل يوم. وفي أولئك الرجال الذين إحتشدوا لإنقاذ بيت جرفته المياه دون أن ينتظروا الوقاية المدنية التي لن تأتي، وفي تلك البهائم التي تجوب الأرض بحثا عن مكان تختبئ فيه كلما أشتد المطر، في أولئك الفلاحين الذين فقدوا عشرات من رؤوس الأغنام والمعز لأسباب مختلفة، ووزارة الفلاحة لم تسمع عنهم أي خبر، وفي تلك المراكز والمصالح الإدارية التي لم يتمكن المرنيسي من الوصول إليها إلا بشق الأنفس، والتي من المفروض أن توجد بالمنطقة.

ألبوم صور يتلون ويتعدد ويتداخل ويتشابك من معاناة المرنيسي ليعلن حالة الطوارئ سرمدية. إن هذه المأساة التي أصبحت صورة مألوفة داخل المجتمع المرنيسي هي جزء من معاناته التي راكمتها السياسات الفاشلة للحكومات السابقة المتوالية قديما وحديثا، ومن تعاقبوا على تسيير الشأن المحلي من سلطات محلية ومنتخبين محليين وإقليميين، هذه السياسات التي تستطيع لحد الآن من توزيع خيرات البلاد توزيعا عادلا يجمع بين جهات وأقاليم وقبائل المملكة، وأن تسد الخصاص المهول الحاصل على مستوى البنيات التحتية الأساسية والخدمات العمومية والمرافق الصحية والأجتماعية الضرورية.
فساكنة مرنيسة لا تحتاج إلى التفاتات موسمية كلما إزدادت برودة الطقس، وإنما تحتاج إلى مبادرات كبيرة وجريئة من المسؤولين لإعادة الإعتبار إليها كفئة عانت ولا تزال تعاني من سياسة اللامبالاة والكيل بمكيالين ولا تستفيذ من التنمية الحقيقية.

كاريكاتير: يوسف بخوثة (أرشيف)