الرئيسية - عمود القلم الأسود - في باب سبتة تنتحر كل الأعياد

في باب سبتة تنتحر كل الأعياد

وصلة إشهارية تتكرر على قناتنا العلمانية الثانية على مدى 24 ساعة، تجتر حقوق المرأة المفترضة وواجبات الرجل تجاهها، واجبه في مساعدتها على تربية الأطفال وفي عدم إيذائها سواء باللفظ أو بالفعل وعدم التحرش بها وحماية كل حقوقها وتكريم كينونتها تحت شعار ” حيث أنا راجل “، وكل هذا تحت رعاية ” هيئة الأمم المتحدة للمرأة “.

فجيد أن يتذكر الرجل أنه رجل، وجيد أن يفهم أن المرأة كيان وكتلة مشاعر قبل أن تكون أداة للإنجاب وآلة لأداء كل الواجبات المنزلية والأسرية والزوجية، والجيد هو أن تكون هذه الالتفاتة تحت شعار ” حيث أنا إنسان، حيث أنا مسلم ” لأن ديننا كرم المرأة وجعل الجنة تحت أقدامها وكل هذا يجب أن يكون تحت رعاية ” رفقا بالقواوير ” قبل رعاية كل هيئات الأمم المتحدة.

وجيد أن يكون للمرأة عيد، تفتح في وجهها دور السينما مجانا، وتعترض سبيلها ورود مجاملة تعتذر لها عن باقي أيام السنة، لكن المرأة في أعالي الجبال لا تعلم للسينما طريقا وتستجدي فقط المجانية في المأكل والمشرب واللباس، والمرأة في باب سبتة لا يعترض سبيلها الورود بل محتلون أجانب يركلونها كجرو يتيم، تتدحرج على الأرض ككيس قمامة، تستجدي منهم سلعا مهربة لتطعم بطونا خاوية، المرأة في باب سبتة تلتقط بؤسها عدسات الاسبان وتشهر بها ولا تلتقطها عدساتنا العلمانية ولم تحرك ساكنا في حكومتنا العثمانية، فعن أي عيد يتحدثون ؟  ومع أي صنف من النساء يحتفلون ؟

فحينما دفعتني أقداري لمشاهدة برنامجا تبثه قناة إسبانية حول التهريب أحسستُ بالذل والعجز، ففي كل يوم تدخل إلى سبتة المحتلة ما بين 20 ألف و 30 ألف مهربة ومهرب، نساء مغربيات يتجرعن المهانة على بابها وداخلها، يحملن على ظهورهن أكياسا قد يصل وزن الواحدة إلى 70 كيلوغراما، أكياسهن كانت تهرول خوفا من تعسف السلطات الإسبانية، أجسادهن تتعثر تعبا وتزاحما وحسرة، عيونهن تحكي حكايات البؤس وقلة الحلية، و ظهورهن المنحية تحيلنا على سنين العبودية.

نساء ” الكونطر بوند ” أو ” الحمالات ” هكذا يُنتعن وهكذا هُنَّ فعلا، حمالات لنيران الحاجة، تقسم ظهورهن ضربات الدهر القاسية، أصبحن يتقن ذل الصبر على المذلة ويتقن معها لغة الجبار المُذل الذي يضربهن وهن منحنيات، يمتهن عبادة الوقوف على طابور الإذعان والخوف ولا يرين من الصف إلا رعشة أقدامهن، رأيتهن متدحرجات كأكياس قمامة ولا من يعبأ بهن أو بأي عظم انكسر أو أي روح أزهقت، الأرواح التي تُزهق في باب سبتة لا يتم تعدادها ولا يُترحم عليها ولا يُعلم لها قبرا، الأرواح التي تزهق يطالها التعتيم ويدفنها النسيان، ويتحدثون عن حقوق المرأة وعن الجمعيات والمنظمات والهيآت، فعن أي النساء يتحدثون ؟  وبأي عيد سيحتفلن ؟ فكل أعياد المرأة وكل حقوقها انتحرت عند باب سبتة.  

ويأتي عيدهم فيستعرضون على شاشاتهم طوال اليوم تلك الشاعرة والكاتبة والمهندسة والوزيرة والبرلمانية وكل صاحبات المهن الراقية، يمجدونهن ويمطرونهن بفائق عبارات التقدير والشكر والامتنان، فهذا الصنف مكرم مجتمعيا، ألِفَ التمجيد حتى لم يعُدْنَ يستطعمنَ التنويه والإشادة.

 فلما لا يطال تكريمهم نسوة الجبال والدواوير اللواتي يعملن بكد طوال النهار، نسوة لم يمسكن قلما ولا دفترا لكن شهادتهن وتجاربهن ستملأ كل دفاتر الحياة، نسوة يلُكْنَ الصخر خبزا ويصارعن الأرض رجالا، نسوة علمهن الدهر ما عجز عنه الدفتر، نسوة قابعات قانتات في بيوتهن ربينَ جيل الأمس واليوم والمستقبل، هن سيشعرن بالامتنان لكلمة تقدير واحدة.

فتحية لكل الأيادي الخشنة التي تصارع الأرض والصخر، تحية لكل الأيادي الخشنة التي يبستْ من قسوة الثلج والمطر، تحية لكل الظهور المنحية التي تقوست بحثا عن قوت يومها، تحية لتلك التجاعيد، تحية إلى ذاك الحياء الذي أبى أن يطالب بحقوقه، إلى تلك الابتسامة، ابتسامة الأمهات، حلوة رغم القهر، حلوة رغم الفقر، حلوة رغم عدم التعلم، هن القوارير بل هن قارورات عطر ومسك حتى وان كسرهن الدهر تبقى رائحتهن تزكم أنفاسنا وتكبل قلوبنا بالحب.

فتحية إلى كل الأمهات، وتحية خاصة إلى أمي، وتحية إلينا نحن النساء جميعا لأننا نحن العيد عينُهُ ليس في مارس فقط بل طيلة أيام السنة.