الرئيسية - المقالات - المرأة - ألف تحية لك أيتها المرنيسية

ألف تحية لك أيتها المرنيسية

أيام معدودة وسيحتفل العالم بعيد المرأة الذي يصادف الثامن من شهر مارس الذي حل هذه السنة بأمطار غزيزة ورياح قوية وبرد القارس. شهر تضرب فيه المرأة المرنيسية موعدا مع سيلان فائض المخاط يتسرب من أنفها، ودموع بريئة تنهمر من عيناها بسبب قساوة الحياة وسوء التقلبات المناخية. تشعر بالغبطة عند سماع عزف قطعة خبز وقنينة زيت على إيقاع وتر المعاناة، وتُصاب بالوجع عند حلول الشتاء خوفا من سقوط بيتها الذي يؤوي أبنائها أو فقدان ماشيتها ودواجنها مصدر عيشها وقوتها وتشتكين إهمالها للخالق.
مضت السنوات طولا وعرضا ومضت أيامها تباعا وتوالت أشهرها، وبقيت المرأة المرنيسية بكل ما تقدمه من تضحيات جسام وأعمال قيمة وأدوار مهمة طي النسيان ورمزا للتهميش والإقصاء والنكران، وسيأتي يوم ثامن مارس فتتعالى أصوات المتربصين والمتربصات، المتملقين والمتملقات، الإنتهازيين والإنتهازيات مطالبة بحقوق هضمت، وأدوار همشت، ونساء ضحين ورحلن في صمت، وأخريات ضحين ولا زلن يضحين، وهن أكثر عملا وكفاحا وطموحا ولا يلتفت لهن أحدا.
المرأة المرنيسية أيامها متشابهة، كأجنحة مروحةٍ لا تنفك عن التوقف، تبدأ بالعمل المبكر، وتنتهي بالنوم المبكر، لغرض النهوض المبكر أيضاً، وهكذا تستمر الدوامة اليومية وتدور فيها طوال اليوم دون كلل أو جزع، فهي حياتها التي اعتادتها ولم تجد بديلا عنهاً، لم تعتد الشكوى أو التوقف لالتقاط الأنفاس، فهي مطالبة بالعمل وتحمل المسؤولية باستمرار ومنذ طفولتها. تقضي يومها تطوف بين الأشجار والحقول والماشية، وإدارة شؤون المنزل. تخرج إلى الحقل لتمارس مهام الرجل الخشنة، وهمها الوحيد في حياتها هو رؤية أولادها يكبرون وينجحون، يتزوجون وينجبون، وخلال هذه الرحلة المراطونية تواجه المرنيسية معوقات وواقعا مأساويا، ربما كان السبب في منحها الصلابة والصبر، فضلا عن قوة مكتسبة من حرارة الشمس وبرودة الطقس وخشونة في اليدين وبصيرة تلقائية. كما أنها تعاني من هجرة الزوج والأبناء إلى المدن والأقاليم بحثاً عن العمل، وتواجه وحدها المصاعب في مناطق معزولة. فهي المسؤولة عن تربية الأبناء، والبحث في الوقت نفسه عن سبل ضمان حياة كريمة، في بيئة لا تعترف بالاتكال على الآخر ولا تتسامح مع التقاليد، وغالباً ما تلجأ إلى خدمة الأرض، المصدر الوحيد للبقاء، في مهمة ليست سهلة بغياب كبير للحقوق والإمكانيات.
المرأة المرنيسية لا يعنيها أحلام الكبار بالعيش في رفاهية مطلقة، لايعنيها الحرية التي تطالب بها المتبجحات، لا يعنيها ضجيج المدن الكبرى، لايعنيها الطرمواي ولا القطارات ولا الطرق السيارة، لا تعنيها محلات الحلي والملابس الفاخرة والأسواق الكبرى والماركات العالمية، ولا المدارس الخاصة. كل ما تتمناه المرنيسية هي أن تتوفر لها أبسط الأشياء، إعدادية وثانوية وسيارة نقل مدرسي تقل فلذات كبدها.. مستوصف وسيارة إسعاف، وطريق تفك عنها العزلة، وتدخلات سريعة عندما تحل بها الكوارث.
ثامن مارس ذلك اليوم اليتيم الذي ترفع فيه شعارات مزيفة وتتعالى أصوات مصطنعة لا تبحث عن النهوض بدور المرأة بقدر ما تبحث عن اسم يكون واجهة لجمعيتها أو منظمتها أو حزبها، إذ نجد في الغالب نفس الوجوه التي تكرم، ونفسها التي تُشرف وتقدر، وغيرها تكد وتكدح دون أن يلتفت إليها أحد، بل دون أن تلتفت إليها نساء، هن أنفسهن يبحثن في خطبهن عن المساواة والحقوق، والمصيبة أعظم إذن حينما تجور المرأة على المرأة…

الصورة مأخوذة من الانترنيت