الرئيسية - الواجهة - بوْحُ النساء واحدٌ في الشرق!

بوْحُ النساء واحدٌ في الشرق!

«الكتابةُ ألمٌ ومُعاناةٌ، وهما معاً مِلْحُ الحكاية والقصَّةِ».. يقول الكاتب المغربيُّ “إدريس كثير”… والذين يزاولون الكتابةَ يُقِرُّون بهذا الرأي، ويتَّفقون على أنَّ الألمَ والمعاناة هما فِعْلاً مِلْحُ الحكاية والقصة.. وفي تاريخ الآداب، أكثر الحكايات والقصص تتجسد فيها الآلامُ والمعاناة، ويطَّلع من خلالها القراءُ على المِحن والمآسي، حتى في الحكايات الأسطورية، والقصص الشعبية، أما حين تكون واقعيَّةً فإنَّ الأمر يتأكد تماماً، ويتأكد أكثر حين تأتي عن طريق البوْحِ، ثم يتأكد أكثر وأكثر حين يجيء البوْحُ بأفواه النساء…
وأواهٍ من النساء حين يَبُحْنَ بآلامهن ومُعاناتهن!.. ونساءُ الشرق بخاصَّةٍ، لا فرق في ذلك بين نساء الشرق الأوسط وبين نساء آسيا وأفريقيا، وبين العربيات وبين الهنديات والفلبينيات والأوكرانيات! 
كلهن في الهمِّ نساءٌ شرقيات… لم تشفع لهن الحضارةُ، ولا الأديان، ولا الأنبياء، ولا الفلاسفة، ولا الحكماء، ولا قوانين الأرض، ولا قانون السماء، والبلاءُ لا يتوقف وإنْ كنَّ أزواجا وأمهات ومتعلمات وجاهلات وبنات أغنياء أو بنات فقراء، وإنْ كانت الجاهلات والفقيرات أشدَّ ابتلاءً من الأخريات، لكنَّ الرجلَ الذي هو الأب أو الأخ أو الزوج أو السيد أو حتى الحبيب، لا يرْفَقُ بهنَّ كما أوصى الأنبياءُ، وكما أمرَ اللهُ، وكما توجبُ الحياة الإنسانية المشتركةُ، وكما يلزمُ العيش والملح والسُّكر والفِراشُ والأبناءُ. 
إنَّ الرجل يرى أنه سيِّدُ المرأة، وأنها خلقت من ضلعه الأعوج، وأنه يملكُها مِثْل المتاع، ودوْرُها الإمتاعُ، وهي مُسخَّرة لشهوتيْه البطن والفرج، وأنها ينبغي أن تعيش وفق أفكاره ومعتقداته وأحكامه، ولا تخرج عن قوانينه وأعرافه وتقاليده، حتى وإن كانت شاذَّة وجائرةً، وتخالف الطبيعة، وتنحدر بها إلى درجةٍ أدنى من الحيوان…! 
إنها في نظره حيوانٌ جميلٌ خُلق من أجل متعة الرجل، ولغرض النَّسْل والحفاظ على وجود الذَّكر عيْنِه، وليس الذكر كالأنثى، هو أعْلى منها، حتى وهو يقضي وطره منها، أمَّا وطرُها هي فلا حساب له، ولا اعتبار، ولْتتألمْ، ولْتَشْقَ، فلذلك خلقها الله، أليست وظيفتها الإنجاب، وهي تطلبه، وتفرح به، على الرغم مِمَّا يُصاحِبُه منْ آلامٍ شديدة، وأوجاع كبيرةٍ، تُفْضي إلى الموت في بعض الحالات؟! 
كُنَّا نظنُّ أنَّ الرجل المتمدِّنَ المعاصرَ، الذي يلبس البذلة والكرافتة، ويملك أدوات التكنولوجيا المتقدمة، ويستخدم وسائل الإعلام والتواصل المتطورة، ويكلم الآخرين في الهواتف الذكية، ويسوق السيارات الفاخرة، ويذهب إلى السوبِّر ماركت، ويقرأ الصحف والمجلات، ويشاهد الأفلام والمسلسلات، ويتابع ما وصلت إليه المعارف الأخيرة والاكتشافات والحقائق العلمية والفلسفية الحديثة، ويعبد الله، أو يعبد الديمقراطية، خيرٌ من الرجل القديم، وأنه يقدِّرُ المرأة حق قدرها، ويرعاها حقِّ رعايتِها، ويضعها في بؤبؤ عينيه، ويخاف عليها من الهواء، لكن، ونحن نقرأ هذا العمل الأدبي للكاتبة “هند زيتوني”، نكتشف أنَّ الرجل لم يبْرحْ مكانَه من التاريخ الحجريِّ، وأنه لم يتخلص بعد من أفكار آبائه الجاهليين، وأساطير الأولين، وأنه يتبعُ آثار الرومانيين المتوحشين، ويؤمن بأحكام بعض فلاسفة اليونان المتحالفين مع آلهة الشر وملوك الظلم، الذين يحْكمون بأن المرأة من الحيوانات المسخرة للرجل.
نكتشف هذا، ونحن نُصْغي مع بطلة الرواية الرئيسية، الدكتورة “نادية”، إلى بوْحِ نساءٍ، التقت بهن في مكان عملها، وهن يسردن عليها حكاياتهن المؤلمة مع آبائهن وأزواجهن وأرباب عملهن، ويُفَصِّلن لها وقائع بشعة، وأحداثا فظيعة، وتجارب قاسية، مررن بها على الرغم منهن، لأنَّ رجالاً لا وعي لهم، ولا رحمة في قلوبهم، ولا خلاق لهم، جعلوهن يتعرضن لها، ولم يبتغوا من وراء ذلك إلا قضاء شهواتهم، وإشباع غرائزهم، والحفاظ على تقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، ولا الطبيعة السوية، ولا الإنسانية العادلة.
قصص مؤلمة نتابعها في هذه الرواية، هي ليست جديدة أو غربيةً، ولكن كنا نظنُّ أنها من مخلفات الماضي البعيد، لكن يبدو أنها ما زالت مستمرة، وما زالت تَحولُ بين النساءِ وبين أن يكون واقعهن جميلاً، وحاضرُهنَّ سعيداً، ومستقبلهن مشرقاً، وما زلْنا نحتاج جميعُنا إلى نشْر الوعي، وتفعيل القوانين، وتكْريس حقوق المرأة، في المجتمعات العربية، والبيئة الشرقية.
ما زالت المرأة تتألم من الرجل، وتعاني من المجتمع، وتصارع التقاليد والأعراف، وتنزل منزلةً أقلَّ من منزلة الرجل، حتى وإنْ كانت طبيبةً، كما هو شأن بطلة هذه الرواية وصديقتها الطبيبة الهندية “أنيتا”، فما بالكم إن كانت خادمة في البيوت، أو عاملة في الأسواق والشركات والمصانع؟!
ما زالت المرأة في الشرق تحتاجُ إلى من يدافع عنها، أو في الحقيقة من يعترف لها بالمساواة، وأنها نفسٌ مثل نَفْسِ الرجل، وأنَّ لها مشاعر مثل مشاعره، ورغبات مثل رغباته، وجسداً مثل جسده، وشهوةً مثل شهوته، وقلبا يحبُّ، ويختارُ من يحبُّ، وتقضي معه حياة تملأها السعادة والسكينة والرحمة والمودة، وليست ضلْعاً أعوجَ، وليست ثُقْبا للإيلاج والإنجاب!
في ذكرى رحيل عالمة الاجتماع “فاطمة المرنيسي” (2015/1940)، يحكي الكاتبُ العراقيُّ “علي القاسمي” أن العالمة الراحلة تلقَّتْ دعْوةً من رئيسة الوزراء السيدة “بينزير بوتو” (2007/1953)، عن طريق السفارة الباكستانية بالرباط، لإلقاء محاضرةٍ عن مكانة المرأة، وكيفية ترقيتها، وعندما وصلت هناك، ونزلت في الفندق، تلقَّت مكالمة هاتفية من السيدة “بينزير بوتو”، تعتذر فيها عن حضور محاضرتِها، صباح اليوم التالي، لأنها مضطرة لمرافقة زوجها رجل الأعمال “عاصف زارداري” إلى المحكمة، للدفاع عن نفسه ضد تهمة تتعلق باستغلال النفوذ…!
هذه الواقعة تدلُ بوضوح، وتبين تماماً، مكانة المرأة في الشرق، وهي أنها تابعة للرجل، وإنْ كانت رئيسة وزراء، وكان هو رجل أعمال متهم، وأنَّ المالَ أكبر من العلم! 
وفي هذه الرواية وقائع كثيرةٌ، يألم منها ذوو النفوس الطاهرة، وتندى لها أَجْبِنَةُ الأكرمين، جرت لنساءٍ لسن عالمات اجتماع، ولا رئيسات وزراء، لكن لأنهن عربيات وشرقيات فقط، وأولهن بطلة الرواية العربية وصديقتها الهندية على الرغم من أنهما طبيبتان، لكنهما قاستا من الآلام والمعاناة مثل ما قاست زائراتُهما المريضات.