الرئيسية - الواجهة - منْ همْ روادُ الفكر والأعمال عندنا؟

منْ همْ روادُ الفكر والأعمال عندنا؟

اعذروني إذا لم أتناول في كلمتي هذه المحاور التي سطَّرها منظمو هذا المؤتمر في جدول أعمالهم، ولم أجب على الأسئلة التي قرروها في أشغال هذا المؤتمر، وعسى أن الأساتذة المتدخلين ذوي المعرفة والخبرة والتجربة يُغْنون الحاضرين بما لديهم، ويزوِّدونَهم بما ينتظرون منهم.
أما كلمتي فهي عبارة عن بعض أسئلة ستضيف إلى مداخلات الأساتذة، وتضيء بعض العتمات، ولعلَّ سؤالاً واحداً يفجِّرُ من المعرفة ما لا يفجِّرُهُ ألفُ جواب، كما قال المفكر الدكتور “عبد الكريم بكار”.
لذا، أسأل، من نقصدُ برواد الفكر والأعمال، وفي مغربنا الحبيب، وفي إقليمنا الناظور بخاصَّةٍ؟
ويكفي أن يعلم الجميعُ أنَّ كلمة (الرواد) هي جمع مفردة (رائد)، والرائدُ هو الكشاف الذي يتقدَّمُ قافلة قومه، ويجوب الصحراء بحْثاً عن الكلأ والماء، وهو لا يكذبُ أهلًَه فيما يجدُ، لأنَّ مصيرَه مرتبطٌ بمصير قومه، وهذا ما يجعلُه نافعاً، صادقاً، مخلصاً… رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أراد أن يصدع برسالته النبوية أول ما بدأ به خطابَه لقومه، قوله: إنَّ الرائدَ لا يكذبُ أهلَه.. فاجتنابُ الكذب هو مبدأ الرائد.
فهل رواد الفكر والأعمال عندنا صادقون، مخلصون، ينفعون الناس، ويساهمون في تقدم الوطن، وتنميته في مجالاته المختلفة؟
وأول مجال، يحضر في موضوعنا هذا مجال الاقتصاد، إذْ أنَّ رجال الأعمال يضطرون إلى العمل في هذا الميدان، والمساهمة فيه، وإنجاز المشاريع والخدمات.
فما هي طبيعة المشاريع والخدمات التي يلتجئُ إليها رواد الأعمال عندنا؟
أغلبُها تتجه إلى إنشاء المقاهي العصرية، والمطاعم الفاخرة، والفنادق بنجوم ونجمات، فهل مثل هذه المنشآت تساهمُ في تنمية الاقتصاد المحلي، وتعودُ بالفائدة على السكان؟
لا خلاف في الرأي أنها مشاريع ذاتية، تخرج من أصحابها وتعود إليهم وحدهم.
والذين يحققون الريادة – فعْلاً – هم الذين يستثمرون أموالهم في نوع مشاريع أخرى، تجمع بين الأرباح الذاتية والمنافع العامة، وتقوم على أنواع من الإنتاج مفيدة، وتوفير فرص الشغل بمواصفاته القانونية وضماناته وشروطه الكريمة، وهذا ما نفتقر إليه.
بالإضافة إلى تأسيس مقاولات كبرى أو صغرى تساهمُ بدورها في تحريك عجلة التنمية، وانتعاش الحياة الاقتصادية، وعلاج الآفات الاجتماعية كالبطالة على سبيل المثال.
فالروادُ الحقيقيون هم الذين يراهنون على إنشاء (الاقتصاد الاجتماعي).
أحدُ الاقتصاديين البنغاليين، وهو رجل مسلم، اسمه “محمد يونس” قام في بلده بنغلاديش بأعمال جليلة لفائدة الفقراء، وابتكر طرقاً جديدة وبسيطةً لمحاربة الفقر والهشاشة.
وقد تحدث عنه الصحفي البارز “توفيق بوعشرين” في افتتاحية له، وأشادَ بتجربته الرائدة في خلق المقاولات الصغيرة في أوغندا، حيث قال: إنها لا تخلق فقط مناصب شغل، ولا تخرج الملايين من الفقر فحسب، بل إنها أيضاً تربي الثقافة المقاولاتية التي تعتمد على الذات، وتقبل بالمخاطرة، وتستثمر في الوقت والموارد والذكاء…
كما اهتم بالفلاحين المعزولين في قراهم، وساعدهم على تأسيس مقاولاتهم وتطويرها، ونقل إليهم خبراتٍ جديدة لتطوير المحصول الزراعي، وأرْشدَهم إلى أسواق المدن وكبريات الفضاءات التجارية، بالإضافة إلى التمويل والنصائح.
هل رواد الأعمال عندنا يقومون بمثل هاته المبادرات؟
«الحياةُ الجيدة؛ هي الحياة التي نعطي فيها للحياة العامة، ونأخذ منها بما يصلحها ويصلحنا»…
فانظروا إلى حياتنا العامة، ترون الإفلاس وليس التنمية، والجميع يجأرون بالشكوى، ويتحدثون أحاديث الأزمات والمشاكل، والفقر والبؤس مثل السوس ينخران طبقات المجتمع، ويهددان الأمن والسلام والاستقرار.
إن معضُلَتنا الكبرى تتلخص في آفةٍ أساسية، وهي عويصة وخبيثة، ألا وهي (الاحتكارُ)؛ فنحن نعاني من (الاحتكار) و(الاحتقار) و(الحكرة)، لا في البضائع والحاجات الضرورية فقط، بل في الأفكار والإبداع أيضاً، بل هناك من يشكو منه حتى في مجال البحث العلمي والدراسات الأكاديمية!

رجال الأعمال الرُّوادُ – عندنا – هم فئةٌ محدَّدَةٌ، وهم يسيطرون على أغلب القطاعات، ويهيمنون على الثروات والخيرات، ويتحكمون في البر والبحر والجوِّ، وهم يحتكرون كل شيء، ولا يقوى أحدٌ على مزاحمتهم، أو منافستهم، أو يشاركهم في أعمالهم، وبالأحرى أن يخلقَ أفكاراً جديدةً أخرى، وبخاصَّةٍ إذا كانت تخالف أفكارهم، وتتعارض مع مصالحهم ومكتسباتهمم.

ونحن نحتاج إلى أمثال هذا الاقتصادي البنغالي، وليس إلى أمثال أصحاب المقاهي والمطاعم والفنادق.
في الدول الديمقراطية يمكن لشخص بسيط، يكون عاملاً أو تاجراً أو صانعاً أو مهندساً أو ميكانيكياً أو حتى بيْطرِيّاً يبتكر مجموعة أفكارٍ جديدةٍ، ويجتهد في ميدانه، فيحقق نتائج باهرة، ويقفز قفزات نوعية في مجاله، ويغدو من الرواد.
في هذه الدول، يمكنُ لإنسانٍ مبدِعٍ بسيطٍ، أن ينطلق من فكرةٍ صغيرةٍ جداً، ويغيَّرَ بها حياةَ الملايين!
وكلُّكم تحفظون أسماء لرواد الفكر في العالم، وهي ليست أسماء عربية، ولنضرب مثلاً بمجال الاتصالات، في عام (2008) سجلت شركةٌ صينيَّةٌ ما يزيدُ على (1700) براءة اختراع في هذا المجال، وكل تلك الاختراعات متناهية الصغر، وهي تجسيدٌ لأفكار صغيرة جداً، بينما عندنا، قد نسمع عن أفكار كبيرة جداً، لكنَّ أصحابَها يعانون من مشاكل كبيرة جداً!
«الحياةُ في العالم فِكْرٌ يتحقَّقُ، وهي عندنا حُلْمٌ يتَبَدَّدُ»، كما قال العلامة الراحل “محمود محمد شاكر”.
الأمر – عندنا – صعبٌ للغاية، والريادة تخضع للوراثة، وليس للابتكار والاجتهاد، وتُصْنعُ على عينَيْ النظام القائم، والذي هو فقير يظل فقيراً، ويكون مهدَّداً بأنْ يزدادَ فقراً، والغنيُّ يظل غنياً وتتضاعف ثرواتُه!
والحالات الاستثنائية لا تقاسُ، وأغلبها حقَّقت ريادتَها خارج الوطن.
لا نعاني من نقْصِ الإمكانات، ولا نعدمُ وجود طاقات ومواهب كُفْؤٌ، وإنما نعاني من قُصورٍ في السياسات، فـ «في إفريقيا ثروات هائلةٌ تحتاجُ إلى تنظيمٍ وجُهْدٍ وعلم وجدية حتى يستفيد أهلُها منها، ولمْ نرَ شيئاً من ذالك عند السواد الأعظم منهم!» والحرمانُ يُدَمِّرُ الأفكار والاهتمامات العُلْيا.
أسباب هذا الواقع تكادُ تكون معروفةً، ومعظمُها نشأ بفعل ما هو سياسي واقتصادي مكرَّسٌ ومفروضٌ علينا، وفي رأيي أن السبب الكبيرَ لكل هذا، هو أننا نعيشُ في هامش العصر، والذي يعيشُ في الهامش يُحْرمُ من كثير من الأمور، ولا يتسنَّى له التعرف على طاقاته وإمكاناته الكامنة؛ وذلك لأنَّ الإمكانات لا تظْهرُ إلا من خلال الأعمال الراقية والمعقَّدة.
والعيشُ على هامش العصْرِ – كما قال الدكتور “عبد الكريم بكار” -: «يكونُ بضعف الخطط التنموية، وعدم ملاءمتها للزيادة السكانية، كما يكون بتخلف الأعمال والمهن التي يعملُ فيها معظم السكان، ولا ننسى إلى جانب هذا انتشار الفساد والرشوة والاستبداد والظلم وعدم نزاهة القضاء واختلال الحياة الحزبية، فإنَّ هذه العلل تجعلُ الشعبَ وجماهيرَه العريضة يعيشون في زمنٍ غير زمننا… إضافةً إلى تخلف النظم وأدوات الاتصال والمؤسسات التعليمية والوعي الصحي، زيادةً إلى الفقر المدقع».
عندنا ألوف أو مئات الألوف من الشباب، لا نشُكُّ أن منهم مميزين في التفكير، ويملكون طاقات ومواهب، ولو وجدوا الإمكانيات والحوافز والتشجيع، لحققوا الريادة في المجال الذي يعشقونه ويهتمون به، لكن، نفتقدُ حضورَهم في الحياة العامة، والعملية بالخصوص، والنماذج التي نراها (ناحجةً) في الحياة، وتُسَلَّطُ عليها الأضواءُ، ويُحْتفلُ بها في المنتديات ووسائل الإعلام، هي نماذج سطحية، تافهةٌ، لكن يُضربُ بها المثلُ في شِعار (كي كنتي كي وليتي)!

أما إذا أردنا أن نتحدث عن أهل الفكر، فإنَّ حديثَنا سيتشعب ويتفرع ويشرق ويغرب، لأن ميدان الفكر لا يحدُّه شيء، ولا يحيط به أحدٌ، وهو يختلف من فرد إلى فرد، ومن جماعة إلى جماعة، ومن نظام إلى نظامٍ، ويكفي أن أستدل باختلاف المرجعيات والإيديولوجيات عند أهل الفكر، ويمكن أن نذكر نموذجين مختلفين، نموذج المفكر الديني، ونموذج المفكر العلماني.
وعليه، خطرت لي فكرة بسيطة، بما أننا نتحدث هنا عن رواد الفكر، وأقول إنهم الذين يطرحون أفكاراً إيجابية، نافعةً، لكل طبقات المجتمع، وفئاته، وشرائحه، دون تمييز أو تفرقة، وهي ممكنة، وسهلة التنفيذ، وتعود بالفوائد على العباد والبلاد، حبذا لو يتفق أهل الفكر في غاياتهم، وإنْ اختلفوا في مناهجهم، فكما أننا ندعو إلى الوحدة الترابية فأوْلى أن ندعو إلى وحدة المصالح المعيشية، وكما أننا ندافع عن الأرض فالإنسانُ أهمُّ من الأرض، وهي مسخرة له، وينبغي أن يستفيد من خيراتها وثرواتها، فلا معنى للدعوة إلى الوحدة الترابية ثم نتنازع عن ما يُستَخْرجُ من التراب تنازعاً شديداً، يؤدي بنا إلى الفشل والمشاكل!
وندعو جميع الأطراف إلى التعاون بدل التنابذ والتخاصم، وتبادل الاتهامات، وتراشق الخيانات، والجميع يقترحون الحلول لعلاج الأزمات والمشاكل بطريقة اسْتِحواذية، تسلطية، دون التفكير في التعاون والتكاتف وتضافر الجهود.
والملاحظُ أنَّ الذين يتصدَّرون ميدان الفكر، ويوصفون بالرواد، هم الذين يسيرون وفق النظام السياسي والثقافي للدولة، فمِمَّا لا يخفى عن الجميع أن لكل نظامٍ سياسيٍّ ثقافةً موازيةً، أو فكراً مواكباً، يعتمد عليهما في غرسهما بين المواطنين، عبر وسائل مختلفة، منها المدرسة، والشارع، والمؤسسات القانونية، والمسجد، ووسائل الإعلام المختلفة.
ودول العصر الحاضر تقدِّمُ نوعاً من رجال الفكر والأعمال هم الذين يخدمونَها، ويوافقون أجندتها الاقتصادية بالدرجة الأولى، والدول الصناعية الكبرى هي التي تشكل، اليوم، روحَ العصر وعقْلَه، وهي التي تضَع شروطَ الحياة العصرية، وهي التي تصنعُ الثقافة، وتخلق رواد الفكر والأعمال.
قبل أن أختم كلامي، أودُّ أن أضيفَ أن بلَدَنا ليس وحده من يرْتهنُ إلى هيْمنة هذا النوع من رواد الفكر والأعمال، بل العالمَ كُلُّهُ يخضعُ لهاته الهيمنة، ويكفي أن أذكِّرَ الحاضرين أن رئيس أكبر دولةٍ في العالم لا يمثل صورة المفكر الذي نتصوره في مخيلتنا وشعورنا يحملُ قدْراً كبيراً من الثقافة والفلسفة والإصلاح، ويستندُ في توجُّهاته على قيم (الحق والخير والجمال)، مثل المفكر “نعوم تشومسكي” – مثلاً -، وإنما هو رجل مالٍ وأعمالٍ وعقارات.

هلْ أعلنُ بهذا الكلام عنْ تشاؤمٍ؟.. كلاَّ، هو مجرد كلام نابعٍ من صميمي، ومن واقع بيئتي، ومناخ مدينتي ووطني، وهذا لا يمنعُ أن يتحدَّى البعضُ منَّا هذا الواقع، ويسعى إلى أن يثبت ذاته، ويغير ما يستطيع تغييرَهُ، ويكفيه أن ينْوِيَ، ويُحاولَ، ولا يكون إمَّعَةً، كما جاء في حديثٍ (لا يصحُّ سنداً، لكن معناه صحيحٌ)، فعلى الإنسان أنْ يُكوِّنَ شخصيته تكويناً حُرّاً، ويبني ذاتَه بملء إرادته، وخالص تفكيره وشعوره، ولا يتبع الآخرين في كل كبيرة وصغيرةٍ، بل يستقلُّ بنفسه كما جعله اللهُ مستقلاً في بصماته ومصيره، «وكلُّهم آتيه يوم القيامة فرداً»، ويُجسِّدَ نِعْمَةَ الاختيار التي أعطاها اللهُ للإنسان، ويسعى «وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى»، ويعجبُني في هذا الشأن عبارةً أرسلَها أديبُ المهْجرِ “أمين الريحاني”، وصارت مشهورةً، وهي: «قلْ كلمتَك وامْشِ»… فإنْ كان الواحدُ منَّا يستطيعُ أن يعمل فليعمل، وإن كان يستطيع أن يقول فليقُلْ، أو على الأقل أن يدعَ غيره يعمل ويقول…
والسلام عليكم ورحمة الله.

مداخلة في المؤتمر الثقافي الأكاديمي لرواد الفكر والأعمال بكلية سلوان – الناظور