الرئيسية - عمود القلم الأسود - حِوار سِرِّي مع ” بائعة الهوى”

حِوار سِرِّي مع ” بائعة الهوى”

اسمكِ : ينعتوننــي ببنت الليل، لكن هذا الليل رغم عتمتــه يفضحنــي، يبيـع مفاتنــي  في مزاد علني، فهل يفضح الليل بناته إن كُنَُّ فعلا من صلبه لا أظن؟  المهم أنه كان لي اسم ينادونني به في وضح النهــــار فالتفت وأسعد، اليوم إن نادانـي أحدهم باسمي أهرب وأختفي، أخاف أن يعرفنــــي وأنــا التي تنصلت منـــي كل الأشياء حتى الاسم، أصبحت ألوكُ أسماءً مستعـــارة لا تسعدنـــــي لكنها تحمينــي.

عمركِ : عجوز فاقت الثمانين بجسد مراهق مازال يهوى اللعب بين دروب الحيــاة،   لكن الحياة ظلمته أو ربما لم تُنر له دروبها فسلكَ المسلك الخطأ. لا يُقـــــدر  عمري الحقيقي إلا ذاك الذي أبصر دموع الندم تملأ كأسي لتعاقـــــر كأسه،  تلك الدموع التي تزيل عني تجاعيد الخطايا فتفضحني معها اعترافات تلك المراهقة النائمة بداخلي.

عنوانكِ : كل الحانات هي عنواني، إن سألت عني كؤوس الخمر، صخب الموسيقى،   أفواه السكارى والأيادي الممتدة نحوي تبتغي الوصال ستدلك، إن سألــــت  شوارع المدينة، ظلمة الطرقات، وحشة الممرات، والعيون المتربصة بــي حتما ستدلك، وإن سألت دوريات الأمن وشتمات الطهر ونظرات العفيفات  ستدلك.

ستدلك عني كل الطرقات التي يسلكها شياطين الإنس، هؤلاء الذين يسبونني جهارا ويطلبون ودِّي سرا، يصلبونني على باب المجتمع ويؤمنون بديانتي وبرذيلتي بعدما يُسدل الليل ستاره، نفاقهم يفوق بؤس رذيلتي، لأنني أُُجلدُ في كل ليلة ما يفوق مائة جلدة وهم يصنفون أنفسهم على أنهم من المبشرين بالجنة رغم أننا نعوم سويا في نفس الخطيئة، تجلدني لمساتهم التي تخترق العظم ويجلدني ضميري حينما أعانق الليل، أتعلمين يا – صديقة اللحظة – أن جلدات السوط والشتم والسب واللعن أهون من جلدة واحدة لضمير يصحا عندما تود أن تغفو.

لن أختبئ خلف سيمفونية أن ظروفي قاسية، وأن من ألقى بي في هذا الجحيم أقوى من قدرتي على معاركته أو مقاومته، لن أتمسك بخيط ولو كان رفيعا من رتابة الأعذار، لكني في كل ليلة أتحيَّنُ لحظات الصبح لأُمطِرُنِي ماءً، أتوضأ وضوء لغير الصلاة، أُعلن توبتي من ذنوب اللحظة، لكني لا أجرؤ على استقبال القبلة، صوت الآذان حينما أتوسدُ اللوم يقض مضجعي، أترنحُ حتى المغيب وأذهب إلى خطيئتي من جديد وأعلنُ كفري على ضميري وعلى كل الضمائر.

 

أتعلمين أنه يسبقني إلى الحانة ذاك الذي أنهى روتينه الفاضل وصلى خمسه وحمل بيمينه الآية الكريمة ” ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ”  لكي يُعلل لنفسه أولا أن شرب الخمر يجوز بعد الصلاة ونسي أنه كان فقط تدرجا تشريعيا حتى يُمنع الخمر ويحرم فيما بعد هذه الآية بشكل قطعي، أنا أيضا في تدرج مع ذاتي حتى أُحرمَ عليها كل ما حُرِّم،  لكني لا أُحِلُّ حراما أبدا، أعلم أن ما أقوم به يغضب الرب،  لكني لا أتحايل عليه بآياته، أتحايل فقط على نفسي، أُمنِّيهَا أن عيون الرب حتى وإن كانت تتربص بزلاَّتِي إلا أنها رحيمة تغفر لي ما تقدم وما تأخر ما دمتُ استغفر وستمطرني رحمة وحنانا.

وتسبقني إلى العُهر مجموعة من المراهقات وطالبات الجامعات، مجموعة من الموظفات وحتى المتزوجات، لكني أكره هذا الصنف الأخير من المتزوجات، أحسني أنقى منهن بكثير وأطهر منهن بكثير، فأنا لا أتنصل من ذنوبي لكني أحمل ذنبا تجاه نفس لم أصنها بالحلال وذنبي تجاه الرب، لكنهن يحملن أيضا وزر زوج يطعمهن بالحلال وتخُنَّهُ في الحرام ويعدن لينظرن في عيونه بكل وقاحة وأنا التي مرت سنوات لم أرفع فيها بصري الى السماء خجلا.

ومرت سنوات لم أرفع فيها بصري إلى تلك العفيفة التي تمضي على استحياء، عندما ألمحها أشعر بالقشعريرة تجتاحني، أحسد نقاءها وأتمنى عفتها، ولا أرفع بصري إلى تلك اللحية البيضاء التي تُحيلني على نقاء والدي الذي دنستُ بطيش نقاءه، لكني أنظر مليا إلى زوج وزوجة يتوسطهما طفل بريء، أسرح بمخيلتي، أتخيل أشياء وأشياء فاستيقظ على نظرات وهمسات ولعنات تُحيلُنِي على واقعي.  

واقع يشار فيه إليَّ بالبنان، ينعتونني بالعاهرة وبكل الأسماء التي ملأت معجم لغتنا من الزانية والفاسقة والمومس وبنت الليل إلى بائعة الهوى، لكنهم عندما يشتمونني هكذا ويلمزونني بالألقاب أُبصرُ ذنوبي تغادرني، تتساقط  تباعا، أبتسم ابتسامة جوفاء لأن الله سخر لي بعضا من عباده ليحملوا عني ولو القليل من ثقل ذنوبي.

لم أعد أنظر الى نفسي انطلاقا من مرآة المجتمع، فلم أرى منافقة مثلها، تزين من تشاء وتقبح من تشاء، ترفع من تشاء وتذل من تشاء، تعكس صورتي متلبسة بعملية البيع والشراء، وتتستر على التي تمنح نفسها لعشيقها مجانا في الخفاء، رغم مجانيتها فهي أيضا عاهرة، أتذرع أنا بذريعة الفقر وتتذرع هي بأقبح ذريعة وهي الحب، فمتى كان الحب في هيئة وحش ينهش اللحم الحرام ؟ أما الفقر فقد عاركه الرجال لأنه كافر ولو ظهر أمامي في هيئة رجل  لقتلته.

فإلى ذاك الذي قتلني يوما بسهم الشرف، وقال لي أني ضيعت شرفه، فلما تقرن شرفك بشرفي؟ لما قلبت كل مسامات جلدي لتثبت إدانتي وعدم عفتي، وما الدليل على عفتكَ أنتَ؟ لما لا يُدينك المجتمع وأنت الذي تنام في حضن المعصية كل ليلة لتصبح مغفورا لكَ؟ ولما لا يقيمون عليك الحد والهجر واللعن كما يفعلون بي أو ليس ديننا واحد؟ أولم يقل الله عز وجل ” الزانية والزاني … ” ؟

إلى جدران بيتي التي تعايرني وتنعتني بالعاهرة، أنا لم أولد بعهري لكن بطيش وضيق لازمته، الليلة لن أغادركِ اشتريتُ طلاء أبيض اللون سأداعب بفرشتي صلابتكِ وسأدعو النوم على مائدة التوبة فعله يلبي الدعوة، وفي الصبح سأخرج لأعانق عيون السماء، اشتقت إلى عيون السماء.