الرئيسية - إبداع - كتاب: دروب مورسيا الضيقة (30)

كتاب: دروب مورسيا الضيقة (30)

 

يوميات شخص يسكن حلمه

 

الجريمة مسرحية

في الأربعاء الأول من يناير 2015 سيبعث الإرهاب من لا شيء، سوى من نظرات أصحاب الأرض المحتقرة والعنصرية للوافدين والعابرين، ستستغل الجماعات المتطرفة هذا وتزرع أولى بوادر القتل المجاني والمنظم، وستدخل فرنسا نفقا مظلما جدا..

كتبت للحدث ما يفيد أن الأيام ستغدو عصيبة جدا.. صعبة جدا وستدخل فرنسا نفقا غير معروف المنتهى وقد أصبحت مخاوفهم حقيقة والدم يسيل في شوارع باريس والتهديد لازال مستمرا…

هنا فرنسا.. هنا باريس في الدائرة 12، هنا تتقاطع الطرق والفراغ .. التوقيت الحادية عشرة والنصف، مهرجون يجتمعون كعادتهم يوم الأربعاء لمناقشة ما سينشرون في العدد القادم من Charlie Hebdo

على عادتي أستيقظ كل صباح وأقوم بجولة في حسابي على الفيسبوك، أطالع ما جد من الأخبار والأحداث، وهل ثم جديد في اليوم الذي أصبحته  بعدما وعدت أخر؟ كان اليوم عاديا لا جديد سوى رسم من صفحة Charlie Hebdo للبغدادي مع تعليق بسيط (أفشل المتمنيات للبغدادي وخاصة الصحة).. شدتني الصورة والعبارات في بادئ الأمرـ وقلت مع نفسي ربما الأمر عادي جدا، لكن عادة لا تنشط هذه الصفحة كثيرا على الفيس بوك، هي تعتمد على ما هو ورقي أكثر..

خرجت لأقوم بجولة وسط المحلات التجارية في أول أيام التخفيضات (solde)، وأركز على أول أيام (solde) ما تكون عليه شوارع فرنسا… قضيت ما قضيت وعدت أدراجي. كانت الساعة بالكاد 11 و45 دقيقة،  فتحت الفيسبوك مجددا وإذا بالزميل الكاريكاتوريست المغربي ينشر في يومياته كعادته خبر بطريقته المعهودة في السخرية يقول: نايضة في Charlie Hebdo

 عدت إلى الرسم السابق، وبدأت أتحرى الأمر لعلي أجد خيطا رابطا بين الرسم والحدث الذي ينذر بالعاصفة. في الصفحات والمواقع الإلكترونية المغربية والفرنسية حاصرتني الأخبار والصور ، صور وفيديوهات تطالعني على “فرانس 24″، ونقل مباشر من قناة فرنسية… شخصان ملثمان يهجمان على مقر Charlie Hebdo ويقتلان  10 أشخاص وشرطين.. كان الفيديو الذي (يمثل) مقتل الشرطي  ينتشر كالنار في الهشيم.. ويا لا الوحشية !!. يا لا الرعب!!

 يقول شهود عيان- في التلفزة دائما ومخفي الوجه- أنهم كانا يصيحان “الله اكبر.. الله أكبر”، وفي الفيديو ما يثبت ذلك، أحدهما يقول انتقمنا للرسول. كتبت على حائطي الفيسبوكي غير مستوعبا لما يقع: (أتمنى ألّا يكونا مسلمان، وإن كانا كذلك فالإسلام بريء من هكذا أفعال.) هنيهة بعد ذلك عممت الشرطة بلاغا ومذكرة بحث بأسماء عربية لكنهم بجنسية فرنسية وصورتا  المهاجمان – وأضافت لهما واحدا أخرا قالت بأنه ساعدهما في الفعل الإجرامي-   صور تحي بأنهم وجوه عربية.

 أه الأمر هكذا إذن؟

بدأت الشكوك تراودني وأنا أتبادل الرسائل النصية مع أصدقائي هنا. قال أحدهم بأن الأمر أصبح أو سيغدو صعبا.. تيقنت إلى حد كبير بأن الجريمة مسرحية.. وأول ما استعملت هذه العبارة قبل سنوات من الآن، وبالضبط في حادث أركانة بمراكش برسم كاريكاتوري. وكانت المسرحية من إخراج فرنسي وتشخيص انتاج مغربي.. دائما يأتي الإرهاب لإخماد نار معينة..

إلى حد الآن في حادث Charlie Hebdo بدأت الأمور تتضح، بأن الأمر محبوكا ومخططا له من قبل. وما سأحكيه في الأسطر الموالية إلا سرد للوقائع كما تابعتها، وبتحليل  ما استطعت لمعطيات ربما ستعطي انطباعي وتصوري بعض الصحة.

التوقيت، وكما صرح جل العارفين بعمل Charlie Hebdo، كان يوم اجتماع لهيئة التحرير، وهذا أكدته الناجية من الحادثة، المغربية زينب الغزوي، والتي كانت لحسن حظها في رحلة بالمغرب،  إذ عادة ما  يجتمع الصحفيين والعاملين بالصحيفة ابتداء من العاشرة صباحا، وغير هذا اليوم تكون الصحيفة خاليه إلا من بعض الموظفين فقط. إذن المهاجمون يعرفون ما يفعلون، زد إلى ذلك أن  الأربعاء هذا هو  اليوم الأول من موسم التخفيضات في المنتوجات  الإستهلاكية SOLDE، وباريس معروفة جدا في هكذا مناسبات،   إذ تعرف المحلات في بداية  من ساعات الصباح تزاحما وتدافعا، والكل– الناس-  في السوبر ماركت والمحلات التي تفي بالغرض.. إذن فالوقت كان سانحا للفعل، والأمر مدروسا جيدا.

 أما طريقة الاعتداء،  فكانت أكثر غرابة، ولم يتقبلها عقل بشر سوي، ملثمان يحملان أسلحة متطورة (كلاشنيكوف) ويهجمان على صحفيين عزل داخل مؤسستهم الإعلامية، ولم يستعملوا الطرق المعتادة في مجال الارهاب، وعادة ما تكون عملية انتحارية يتم تفجير المكان بحزام ناسف يقضي فيها المنتحر أولا ونتائجها غير مضمونة، وقد لا تفي بالغرض، لكن الهجوم المباشر بالأسلحة الخفيفة فيه نسبة النجاح كبيرة جدا، والنتيجة كانت 10 عاملا بالصحيفة وشرطيين.

 المستهدفون، فقد نمت هذه العملية  عن ذكاء خارق، فتم اختيار جهة مزعجة للكل، وكان لازما التخلص منها بطريقة من الطرق، وأحسن طريقة للتخلص منها، هي الإسكات النهائي عبر الاجهاز عليها، في غياب قانون يعاقب على أعمالها التي تمارسها تماشيا مع مبادئ وقيم الجمهورية الفرنسية، وطالما أزعجتهم هذه الصحفية مع كل الأديان، وأحرجتهم ديبلوماسيا مع الكثير من الجهات، وخاصة منها الإسرائيلية، لكن لا أحد مهتم لها أكثر من المسلمون الذي استهزئ بنبيهم الكريم، فهما من يقومون بهذا العمل القذر، وإسكات المزعجين نهائيا بدواع دينية…

علامات استفهام كبيرة بدأت تطرح نفسها على كل العارفين بخبايا الأمور وبقيت معلقة تحتاج إلى وقت وبصيرة للإجابة عليها.

بعد تنفيذهما للعمل الإجرامي هرب الملثمان بطريقة هوليودية بعدما أجهزا على الشرطي في منظر فضيع جدا.. هربا وهما يصيحان: انتقمنا للرسول انتتقمنا للرسول.. طريقة الهروب هذه كانت مشكوك فيها إلى حد كبير، فهما هربا طليقان بعد أن أطلقا النار في صحيفة Charlie Hebdo دون أن يتعقبهما أحد، وما الشرطي الذي صفاه أحد الملثمين إلا تمويها لتدخل الشرطة في  الواقعة، حيث قالت المصادر الصحفية أنه بعد سماع – الشرطي- إطلاق النار همّ مسرعا لمكان الحادث، وحاول أن يعترض سبيل الملثمان فكان نتيجة ذلك فقدانه لحياته.

بعد الهروب تعاملت السلطات المختصة بنوع من التخاذل وعدم الإسراع في القبض على الملثمان، حيث هربا بطريقة سلسة، في أزقة وشوارع باريس المراقبة كلها بالكاميرات. وملثمان ويحملان أسلحة مكشوفة، دون أن يتمكن أحد من التعرف عليهما أو تلاحقهما الشرطة؟  وكل ما فعلت هي تضخيم الأمور في الإعلام عقائديا اجتماعيا ونفسيا، ومحاولة إعطاء الحدث أكثر ما يستحق،  وذلك لشد انتباه المواطنين وتعمل هي على مهل.. فكانت تمدهم بمعلومات بين الحين لآخر، وتعمدت التقصير في البحث على المشتبه بهم في الحادث، ومن بين هذا التقصير، هو الهفوات التي سقط فيها المحققون، ما أعطى للقضية حيز أكبر من التشكيك في صحة العملية.

 من بين هاته الهفوات التي انقلبت ضد السلطات ومدى جدية العمل الإجرامي، هي حصولهم على بطاقة التعريف لأحد المشتبه بهما قالوا أنهم وجدوها داخل السيارة التي تركاها (الملثمان) مركونة بإحدى الدوائر بمدينة باريس.

هاته السيارة سيكتشف العالم مع بداية تحليل الفيديوهات المسربة، وقد انطلقت العملية من مواقع فرنسية، ابتداء  من الفيديوهات الأولى التي بثتها القنوات الفرنسية لحظة وقوع الهجوم، وكذا لحظة الإجهاز على الشرطي، وهي فيديوهات كما تم تقديمها لمصورين هواة، لكن الفيديو الذي فضح كل شيء هو الارتباك الذي حصل للمهاجمين الملثمين أثناء الاجهاز على الشرطي، فبعدما سمع صوت رصاص كثيف موجه في اتجاه الشرطي الذي كان في مسرح الحادث لم يلاحظ ولو قطرة من الدم على الأرض، وحتى الرصاصة الأخيرة التي روج لها أنها أهزت عليه،  فقد وضح الفيديو  على أنها غالطت الهدف  ولم تصبه، بل أصابت الأرض. والكل شاهد في الفيديو التحليلي لذلك، ولا داعي للزيادة في التوضيح. زد على ذلك فرضية نسيان بطاقة الهوية داخل السيارة، وكذا هاته السيارة التي التقطها كاميرا الفيديو في العلمية التي سردنها أنفا لم تكن تلك السيارة التي عثر عليها في المرآب تحتوي والتي تختلف على الأولى في عدة أمور.

هاته المعطيات جعلت شريحة كبيرة من المتتبعين التشكيك في الرواية الرسمية للحادث، وزاد من ذلك المدة التي استغرقتها السلطات الفرنسية للقبض على المشتبه بهما اللذان فرا إلى الشمال، وقد زاد الأمر تعقيدا في هاته الرواية الرسمية، هو إطلاق النار على إحدى الشرطيات بباريس في اليوم الموالي وفرار المشتبه فيه أيضا ولم يتم تحديد هويته أو حتى الربط بين الحادثتين المتفرقتين، مما أطال مهمة البحث  وأعطى كثيرا من الغموض للقضية، هذا البحث ستسمر ثلاثة أيام كاملة..

 ففي يوم الجمعة تم محاصرة الشابين المشتبه بهما بعما تأكد للسلطات أنهما دخلا مطبعة في إحدى البلدات، وأخذا صاحبها رهينة، فجيشت فرنسا كل قواتها لمحاصرة المبنى لإلقاء القبض على المجرمين، لكن في خضم ذلك جاء خبر من وسط العاصمة، بأن هناك شخصا دخل محلا للمنتوجات اليهودية ويحتجز رهائن به، هذا الشخص لم يكن إلا مطلق النار على الشرطية قبل يوم، وإن إقدامه على هذا الفعل  جاء لتخفيف الضغط على المجرمين الأخرين.

في هذا اليوم تبين أن الأمر محبوكا جدا، بعد تباين المواقف ودخول الموساد على الخط، إذ صرح بنيامين نتانيهو بأن فرنسا طلبت الدعم من الموساد لحل القضية، وبإدخال اليهود في القضية بدأت خطة التلاعب بالعقول تتضح جليا، فبعدما تم اقتحام المحل اليهودي واحتجاز رهائن به، وما لحقه من أحدات وروايات، كانت تصب دائما في فرضية أن الأمر محبوكا ومخططا له من طرف جهة معينة، وما أمر المكالمات التي زعمت بعض الصحافة وأخص بالذكر قناة “bfm” الفرنسية أنها أجرتها مع المجرمين سواء الذين يختبأن بالمطبعة ومعهما رهينة سعيد وشريف، وكذا المجرم أحمادي كوليبالي بالمتجر اليهودي، ما هي إضافات أعطت للحادث طابع التمثيل. فكيف يعقل لشخص يحتجز أكثر من 10 أفراد أن يكلم الصحافي في الهاتف ويصلي داخل المكان دون أن يتكمن الرهائن من الإجهاز عليه أو الهروب حتى؟ وقصة الصلاة هاته روجها الإعلام الفرنسي.

وقد دعم هذا الطرح حربائية المواقف الدولية والمحلية، وكذا الركوب السياسي على الأحداث، وكلها صبت في أن العملية مصنوعة، ليأتي نبأ انتحار الشرطي المكلف بالتحقيق في قضية الأخوين ليقول أن في الأمر شيء ليس عاديا.. كما عرفت عملية الملاحقة نهاية كانت مرتقبة، وهي مقتل كل المشتبه فيهم والملاحقين، وتأكيد خبر هروب المرأة (حياة) التي كانت تبحث عنها الشرطة الفرنسية إلى المجهول بالأرضي السورية، لتكتمل فصول المسرحية.

كل هاته الوقائع والتفاصيل المملة صبت في أمر واحد، وهو إمكانية التخطيط لهذا العمل الإجرامي من جهات معينة لتحقيق مصلحة ما، ففرنسا مثلا تعيش أسوأ أيامها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وكانت في أمس الحاجة إلى عمل كهذا لتخفي عجز كان سيؤدي بها إلى متهات عدة، وللصهيونية أيضا هدف من هذا العمل، فدولة فرنسا اعترفت قبل أسابيع قليلة بالدولة الفلسطينية، وكان هذا الرد المناسب على ذلك، مع خلق حزازت بين اليهود والمسلمين.

 وللغرب  أيضا الهدف من وراء هذا الإجرام، وهو ابراز بطرق غير مباشرة بأن الإسلام لم يأتي إلى هاته البلاد إلا بالإرهاب، يبقى وحدهم المسلمين- رغم ما يدعون بأن “داعش” و”القاعدة هما المسؤوليين على  ذلك- هم الذين لا هدف لهم من هذا، إذ هم الحلقة الأضعف في المعادلة، وهم من سيدفعون الثمن إن صعدت مؤشرات العنصرية في هذا البلد الذي يدعي الوحدة الوطنية.

إذن – في نظري-  هي مسرحية سيئة الإخراج، وأحيّ أحد أصدقائي حين علق ساخرا بأن مدينة سلا ستحتضن مهرجان فيلم التلميذ وما على فرنسا إلا الحضور لتعلم تقنيات كتابة السيناريو، فهذه مسرحية تداخل فيها كل شيء، واختلط فيها ما هو سينمائي بما هو مسرحي، وجاءتنا بالصورة التي قدموها لنا، وتصاب بالحيرة ما الهدف والرسالة من وراء ذلك؟

ولا أجد خاتمة خير ما قاله يسري فودة في أخر عمل له داخل قناة الجزيرة في برنامجه سيري للغاية حول الماسونية: “يقول أحد نقادهم إن هؤلاء الذين يزعمون أنهم يؤمنون بكل الأديان، ويعتنقون كل الفلسفات، ويدعمون كل الفصائل، يحتاجون في الواقع إما إلى ساذج يصدقهم ولا يرقى بينهم على كل حال، أو إلى فاسق يصدقهم ويصدق نفسه ويرقى بينهم ويستغل السادجين.”

يتبع…

المسرحية في عز أحداثها، والكل منشغل من المجتمع الفرنسي أين وصلت الأمور، الملثمان لا زال مخبئان في المطبعة ويحتزان الرهائن بها، كل الناس مشدوهة إلى شاهات والتلفاز، وتطالع الصحف التي تغطت بالسواد، وتدعو إلى الوحدة الوطنية لمواجهة الخطر الآتي، وكذا تدعو إلى مظاهرات ووقفات تندد بالعمل الإجرامي، كما أن باريس تتأهب لأكبر مسيرة ضد الإرهاب يوم الأحد المقبل يشارك فيها كل زعماء العالم. 

اليوم يوم الجمعة، كل جلسائي في “بار ميشل” و”مقهى TOP19 ” تخلفوا عن صلاة الجمعة اليوم. وهو الذين لا شغل لهم إلا المسعادات الاجتماعية والصلاة في وقتها والجلوس في المقهي يتجادلون في أمور عدة، لكنهم اليوم يتخلفون عن الصلاة الذي قال فيها الله سبحان: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ”.

قصدت خالد وأنا مار إلى المسجد الوحيد بالمدينة وقلت له هيا بنا خالد، همهم بكلمات غير مفهومة معتذرا وتابعت مسيري إلى حين المسجد…