الرئيسية - إبداع - كتاب: رسائل حواء (الرسالة الخامسة)

كتاب: رسائل حواء (الرسالة الخامسة)

الرسالة الخامسة

تحرش

عزيزي آدم..

بل لا معزة أُكنها لكَ بعد اليوم ولا احترام…

أنتَ تُشهر كلماتكَ السامة في وجهي كلما مررتُ بجانبك وكلما لمحتني، تُرهبني تغزلاتك، تخنقني نظراتك المستفزة، وتُخيفني نواياك القذرة وترقباتك المشينة.

أية معزة هذه إن كنتُ أراك في مرآتي كل صباح وأنا أستعد للخروج، وأستعيذُ بالله منكَ كُلَّما أسرعتُ الخُطى؟

أحبُّ نفسي ومتصالحة أنا مع ذاتي، فلما تحاول أن تُمرر لي رسائلكَ المشفرة بأني نسيتُ أن أرتدي كرامتي كلما التقيتكَ، أراكَ تُدقق في تفاصيلي التي لن تراها، لكنكَ تتوهم رؤيتها انطلاقا من مخزونكَ المريض المشوش.

تحاول استفزازَ خجلي، وتعبثُ بعدم قدرتي على مجاراتكَ لفظيا، كم كنتُ أودُّ أن أبادلكَ التحرش بالمثل وأن أُخاصمَ حيائي وأزعجَ بنات أفكاركَ كما تفعله بي، وأن أعبث بجسدك بنظرات الوقحة كما تفعل أنتَ، لكني لا أجدُ الأمر مسليا والفكرة لم تستهويني قط ولا أرى فيكَ ما يستدعي أن أضيع فيه وقتي ولو عبثا، أيها المتحرش الذي تتبرأ منه الرجولة الحقيقية.

لكن ما أحاول أن أستوعبه منك أيها الآدمي هو: ما القيمة التي تضاف إلى شخصكَ بعد هذه الكلمات البذيئة التي تتفوهُ بها في حقي؟ وما تزيدكَ هذه التمتمات التي تُخرجكَ فعلا من رجولتكَ إلى هذا الشهواني العابث؟أين هي شهامتك وأنت تنادي بعيونك جسدا هو محرم عليك ولن يستجيب للنداء؟ أين هي أخلاقك وكرامتك وأنت تطارد ” حواء ” كذاك ” السلوقي ” الذي يلهث جاهدا وراء الطريدة؟

 اسمع – أيها المتحرش – فلتكن من فضلكَ محترما كباقي الآدميين من بني جنسك، ولا تقل لي أنكَ معجب، وأن ما تصنعه معي ما هو إلا طريقة لبلوغ المقصود والتعبير عن هذا الاعجاب!

 اسمعي من فضلكِ يا ” حواء ” ولو أنه لا فضلَ لكِ عليَّ ولا سلطة، فكيف ستصلكِ هذه المشاعر التي ترفضينها إن لم أفصح لكِ عنها علنا؟ كيف أتعرف عليكِ عن قرب ان لم استوقفكِ لدقائق علَّني أحصل على بياناتك الشخصية أو على الأقل على محمولك ليحمل لكِ مني حسن النوايا؟

 كيف أمسكُ بحكمة هذه الرغبة المتقدة بداخلي وأنت تمرين من أمامي بكامل أناقاتكِ وزينتكِ، ولتعلمي أن عطركِ الفواح هو من تحرش بي؟ فلما تعشقين عطرك المتحرش بي وتكرهينني أنا على ردة فعلي؟  فلكلانا سلوك منحرف؟ ولكلانا نوايا خبيثة وأنت تعلمين ذلك؟

قرأتُ أن ” حواء ” يروقها الكلام الناعم، وأنها هي من صنعت من هذا ” القباني ” شاعرا مات في حبها وذابت هي في قصائده الغزلية، فالشعراء كُثُر فلما تعشقين ” نزار ” بالضبط ؟ فهو من فضح تفاصيل جسدكِ علَنًا وأنت تبتسمين؟ وهو من عبث بكل مفاتنك بكلمات تحفظينها عن ظهر قلب وتباهين بها العالم؟  فلما أحببتي  ” نزار ” وكرهتني؟ فكلانا تحرش بكِ على طريقته، لكن هو صَيَّرتِه ” شاعر نساء” وأنا حاكمتني بتهمة ” زير نساء” !

عبثا حديثي معكَ يا ” آدم “، حقا تلزمك دوريات مستمرة ودروس تدعيم في مجال التفريق بين التحرش وإبداء الإعجاب، فهل إعجابك بشخصي هو الذي يجعلك تتمسك بهذه السلوكيات الشاذة؟

هناك ألف طريقة وحيلة لإبداء الاعجاب، يلزمكَ بعض الذكاء الذي إن تَحَلَّيتَ به سيجعلني أبادلك الإعجاب نفسه، وهناك شيء اسمه الاحترام في المعاملة، التربية في التعبير، واللياقة في حسن التصرف. قل لي أين درست أنتَ؟ فتحصيلك الشفوي لا يدل على دراستكَ لا بالخارج ولا بالداخل، أيها المتدخل في شؤون الغير !

فابتداء من اليوم أعد النظر في حساباتكَ فَمِن رَحِم أنثى خرجتَ إلى الوجود، ومن ثدييها رضعتَ حولين كاملين، تعرفتَ على جسدها مذ كنتَ صغيرا، أحسستَ بالأمان كلما شممتَ عطرها، احتميتَ في هذا الحضن كلما قسا عليك الأب.

 إذن فلتحتمي وراء رد الجميل لحق الأنوثة التي هي بعضٌ من والدتكَ، حينما تمر من أمامك إحداهن اخفض بصركَ متى استطعت إلى ذلك سبيلا، ولا شأن لك بـ “عطرها ” ولا بـ ” نزارها ” ولا بـ ” محمولها “، ولتكن حمولتك الأخلاق الحميدة والنوايا الحسنة، وادخل من باب التعرف الصادق والجاد آمنا وعلى الله فليتوكل المتوكلون.

اللوحة: حنان الحمداوي