الرئيسية - إبداع - رصيف الحرية المحجب (قصة قصيرة)

رصيف الحرية المحجب (قصة قصيرة)

جواد الخرازي

الرصيف رب عمل العاطلات؛ نساء وفتيات حالمات، في رصيف المدينة المجهولة لا تنمو الأشجار بل المقاهي، وعلى شمالها وعلى يمينها الملاهي والحانات والأغاني، حيث صوت “ميمون الأنجلو مغربي” يغرد في الهواء الطلق: اسقني يا ساقي وعمر لي الكأس.. حيث ترقص الأشجار حتى تتساقط الأماني، ويتعب الإسمنت من صخب الرقص، ويفقد الحائط توازنه من كثرة الإفراط في شرب الماء المسكر، إنه الليل في رصيف المدينة المجهولة.

كانت هناك امرأة، تنظر، تراقب، تسمع، بأن العمل في تلك الحانات والملاهي تكسب المرأة في جمالها من ورائه الملايين، إن كانت تجيد القفز عبر حواجز التقاليد والعادات، والانسجام مع طقوس الليل في شوارع الانفتاح والحرية، بغمزة عين قذ فكرت المرأة في الطلاق، تاركة سؤالا عريضا لمن ينتقد سوء الأخلاق، وبه رغبة قصوى للانطلاق ولو القيود المادية لسبق أجود حصان في المعمور، ما الجدوى من الأخلاق؟ ما الجدوى من الزواج؟الجواب في المحكمة كل نهار، والضجيج بالليل والنهار إن الزواج ما هو إلا شر وعقوبة لا تطاق، ذهبت إلى المحكمة رقص المقرر فولد تقريرا، وبناء عليه حكم القاضي بالافتراق، فرحلت المرأة مع الانزلاق، حيث توجد الأنغام الساحرة الذوق والمذاق، للخلق العاق، وربما هو على حق، لا يمكن للمرء في هذا الزمن أن  يجادل على أوسع نطاق، في المنازل، الفيلات، الأرصفة والحانات سارت زهرة تضاهي القمر في الليالي الدامسة.

إنه زمن الدعارة سفينة لتكسير الفوارق ولتوضيح الحقائق بأن السفينة في طريقها إلى الانفتاح أو أن السفينة تسير من دون جميع الركاب مما يستوجب على باقي التائهون الانتحار في مياه الحياة المريرة أو الاستسلام إلى الموت المحقق، المهم بشرى لكافة العشاق، وهدى لكل مشتاق، هنا الرصيف: مقر لكل الأحلام العارية، هنا الرصيف متجر لبيع الحنان والأشواق على أمواج العيون، أنت اليوم أيها السائح أيها التائه لست في حاجة إلى ميثاق بل لمحفظة مملوءة بالأوراق، فأنت مشتاق، والمرأة تطمح لطرد الإملاق، هذا واقع فلا تقلق، كل الثمار حتى الصباح، ولا تقول بأن الكلام يصيب في الأعماق، بل كل شيء أصبح ممكن في أزقة المدينة المجهولة .

في يوم من أيام السنة الميلادية، كانت الساعة تشير إلى أن بطاريتها فارغة، في شهر لا يحسب له أي حساب، وبعد مقاومة شديدة لرغبة في ممارسة الجنس لم يتمكن “جورجي” من المقاومة، ارتدى حذائه، وذهب للمكان المعروف بتسمية “رصيف الحرية”، للبحث عن عاهرة شعبية، يقصد بالعاهرات الشعبية العاهرات الذين يمارسون الجنس مع أي تائه وبثمن مناسب.

وجد هناك العديد من العاهرات (طابور)، غير أنهم كبيرات في السن، وبخطوات بطيئة تقدمت عنده واحدة، وبدون أن يثير انتباهها ـ وإن كان الوقوف هناك يعني شيئا ماـ، وقالت له: هل تريد واحدة؟ قال لها بسرعة ولهفة فائقة: نعم، ولكن ألا توجد عاهرات صغيرات في السن اليوم، قالت: لا، مستمرة في الكلام ومضغ علكتها بطريقة جنونية، مالي أنا معجبتكش بحال بحال، داكشي لي عندها راه عندي…ياك باغي تنعس معها ولا باغي تتزوج بها، ردا مسرعا: شكون جبد سيرة الزواج، اصمتي من فضلك حتى لا نتعرض للاعتقال بسبب محاولة الحديث عن الزواج.

 انقطع صوتها قليلا، تم قال: كم الثمن؟ قالت: 100 درهما لي وخمسون درهما لصاحبة البيت، قال لها: صاحبة البيت من تكون هذه مضيفا؛ أنا لا أستطيع إنجاح الممارسة الجنسية التشاركية؟ قالت: تلك التي تكتري لنا الغرف لنمارس الجنس فيها مع الزبائن، قال: نعم لقد فهمت، ولكن أنا أردت أن تذهبين معي إلى المنزل وخمسون درهم أعطيها لك، قالت: لا، رد قائلا: إذن شكرا آسف على الإزعاج، قام بخطوتين وإذا بها تنادي، رجع، فقالت: فين كتسكن، قال: حـــــي البطالة، ردت متسائلة: هل أنت موظف؟، قال: لا لقد كنت عاطلا، وما أزال عاطلا، وسرعان ما ردت قائلة، حي البطالة مشبوه والأمن هذا الشهر مضيق علينا، ابتسم “جورجي” ابتسامة استهزاء قائلا: الأمن… لا تخافي فأنت تحت حجاب يخفي في طياته أمريكا، ولكن أنهت كلامها السخيف بقولها: نمشي معاك إذ اعطيتني 200 درهما، قال ليست هناك مشكلة… فركبت معه في طاكسي نحو المنزل.

في طريقهم إلى المنزل كان ينظر إليها بنظرات محتشمة، كيف لا؟، وهي امرأة من ملامحها يتبين أن سنها لا يمكن أن يقل عن ثمانية وثلاثين سنة، ولكن مازال فيها ما يدار، المهم في حالة الشهوة كل الأمراض الفتاكة التي يتحدثون عنها لا يمكن أن تقف حجرة عثرة في الطريق إشباع الرغبات أولا، والمرض إن بقي له شيئا من الجسم النحيف فليتفضل ملعونا.

عندما دخلوا إلى المنزل سألها، قل لي ما اسمك؟، قالت: “سارا”، مضيفة اعطيني كأسا من الماء، قال: اذهب إلى المطبخ كل شيء يوجد هناك، شربت وقالت وأنت الزين، قل لي ما اسمك؟ قال مع ابتسامة :”جورجي”، كان يعرف بأن العاهرات لا يعطونا اسمهم الحقيقي بقدر ما يعطون فروجهم، وهو بدوره لم يفصح عن اسمه الحقيقي لعاهرة من مستنقع “فيغاس” الملعونة رغم حجابها، كان قد رتب كل شيء في المنزل قبل الخروج.

“جورجي” يعرف القواعد جيدا، والتي من بينها أن العاهرات لا يرغبن في الأسئلة عن السبب في ولوج الميدان، ولا عن صعوبته وخطورته، بل يرغب في النشاط، والخمر، والسجائر، وأغاني بإيقاع شعبي صاخب، وهذا كل ما فعله معها.

ولأن الشهر هو شهر كباقي الشهور، ولم يبقى للفجر سوى أربع ساعات ونصف، خلع ملابسه وغاص في أحضان امرأة وزنها بدون ملابس حوالي 75 كيلوغراما، أما هو وزنـــــــــه بالملابس والحذاء خمسة وخمسين كيلوغراما، ولكنها معركة من نوع خاص ليس القوي فيها هو صاحب الوزن أو الطول وإن كان هذا الأخير مطلوب على مستوى آخر.

من خلال هذه المقابلة الفريدة اكتشف أن العاهرات يتمتعون بأخلاق عالية في ممارسة الجنس، حيث قضت معه “سارا” وقت تجاوز الساعة والنصف، خصوصا بعد أن وفر لها العشاء، ووعدها بحمام ساخن، وطلب منها إن أرادت أن تنام فلتفعل، ولكنها رفضت النوم.

ربما كان هو الزبون الوحيد الذي دفع لها كثيرا ولم يتفاوض معها مطلقا، وقررا في نفسه أن يعطيها أكثر مما وعدها به.

 بالرغم من أنها متقدمة في السن، فقد قضى معها ليلة جميلة، رحلت وهي تقول: إذا أردتني يوما ما اتصل بي في الرقم لي عطيتاك.

لقد سبق لـ”جورجي” أن تعلم من العديد من العاهرات أنهم يحبون كل شيء ما عـــدا نعثهم بـ”القحبــــة” أو  “العاهرة” بل يحبن أن يتم معاملتهن من طرف الزبائن والخائنين بطريقة رومانسية، وتحسهن بأنك تحبهن ولو لساعات قليلة، هذا هو حال العاهرات في مدينة “فيغاس”،مهما اختلفت الأماكن: ريكسينا، مقهى بارجي، مقهى النجوم… حانات المدينة، أرصفة مركز المدينة… وقائمة أماكن العاهرات طويلة، ومن أراد أن يغزو المدينة اللعينة فليتفضل ليرفع لها الأرجل إلى السقف.

إنه يعلم بأن عاهرات مدينة “فيغاس” ليسوا منها، بل هم في غالب الأحيان من مدن أخرى ـ وهذا فيه نقاش ويتطلب إحصاء ـ، بحيث القليل من العاهرات هن من يقمن بذلك في مقر سكناهن.

كما أنه لم ينتقد في يوم من الأيام طريق العاهرات أو “عيوشينو” أو “أبيضارينا” التي بدت متخلفة شيئا ما في لقطاتها  “البرنوفنية” أو قناة الفشل التي اعتبرت بأنها قناة نشر الفاحشة بمجرد رؤية الجمهور الناشئ لمؤخرة “جنيفر لوبيز” العظيمة على المنصة، بل يعتبر أن الأمر عادي، ويندرج في إطار ثقافة الإنفتاح والتقدم الذي يعيشه المجتمع الأمريكي المحجب على إيقاعه ويستمتع به…

 مرت سنين ظهرت “سارا” في رصيف الحرية امرأة في فصل خريف الحياة، انتهى الإشراق ذبل الفستان واختفت تلاله بسبب مرور الأمريكيين الشرفاء بالأمس، تعب الحذاء، اختفى الوجه خلف المساحيق، العيون قصفتهم الصواعق، تكسر زجاج الأنثى، وسار الهيكل مسحوق لا يليق للعناق، لا ولا للنظر، من يقترب من الحريق، انتهت ضحكات الحانات، فيقول المجتمع للكئيبة: لا تتبع هذا الطريق فإنه شاق بنظرة احترام وإشفـــــاق، ويغلق باب الرصيف باحترام للأبد في وجهها وفي الوجوه الشاحبة، وقد كتبت عليه عبارة باللون الأحمر الماطر، لا للحرية الممزوجة بالفوضى العارية.