الرئيسية - أقلام - إصلاح التعليم ليس بصباغة الجدران أيها المدرسون

إصلاح التعليم ليس بصباغة الجدران أيها المدرسون

بعد سلسلة من الإصلاحات بين ألاف الأقواس، التي شاهدتها المنظومة التربوية ببلادنا منذ فجر الاستقلال إلى حدود كتابة هذه الأسطر، و المدرسة المغربية تعيش ازدواجية بين مقاربات بيداغوجية مستوردة غالبا من فرنسا ، و واقع تعليمي مغربي لا يمكن فصله عن الظروف الاجتماعية و الاقتصادية و السياسات العمومية المتبعة من طرف الدولة، و التي تمثل توجه السياسة العامة للدولة. و بالتالي لا يمكن النظر إلى التعليم و أزماته و معيقاته في غنى عن التوجه السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي للمجتمع المغربي، على اعتبار المدرسة وجها من وجوه هذا المجتمع ، و مؤسسة كباقي مؤسسات الدولة. فلماذا إذن تفشل كل السياسات التي ترمي إلى إصلاح المنظومة التربوية ؟

سؤال يتردد يوميا في الجرائد و المجلات و الإذاعة الرسمية و غير الرسمية، و من قبل المهتمين و المختصين في الحقل التربوي. لكن لماذا يتم ترديد نفس السؤال و استخلاص نفس الإجابات؟ ألا يحق اليوم أن نتساءل عن من وراء هذا الفشل؟ أهو حقا يعود إلى الأطر التربوية التي لم تعد تقوم بعملها كما يجب حلى حد تعبير الدولة أم الأمر يعود الى المناهج و البيداغوجيات و الطرائق التعليمية المتبعة؟ أليست الارتجالية التي تسنها الدولة في ملف التعليم واقعة وراء هذه الأزمة؟ ألا يمكن القول بأن إصلاح التعليم مدخله سياسي؟

يبدو السؤال الأخير غاية في الأهمية على غرار باقي الأسئلة لماذا؟ أولا أرى أنه من اللازم على الدولة تحديد النظام السياسي و المرجعية السياسية التي يجب على الدولة الانطلاق منها ، للخروج من الارتجالية و الجواب عن سؤال أي نظام سياسي يجب أن نتبع؟ و هو الأمر الذي سيحل معه مشاكل مجموعة من المؤسسات بما فيها ملف التعليم. فالإجابة عن سؤال أي سياسة يجب أن نتبع؟ هل نظام ديموقراطي ذو مرجعية لبيرالية أم نظام محافظ ذو مرجعية دينية…؟

لا بد من الحسم في أي نظام سياسي يجب أن نتبع، لأنه يشكل مدخلا للإصلاح، و ما دامت الدولة المغربية لم تستطع لحدود اللحظة الإجابة عن هذا السؤال، و التأرجح بين سياسات عشوائية محركها في ذلك مصالح ضيقة و فئوية ، فالأمر سيكون وراءه انعكاسات سلبية على باقي المؤسسات الاجتماعية التي تشكل الدولة. و خير مثال على هذه العشوائية في المنظومة التربوية هي مسلسلات الإصلاح بدءا من 1957، وصولا إلى الميثاق الوطني ثم المخطط الاستعجالي و الرؤية الإستراتيجية التي أعلنت فشلها قبل نهايتها.

و هذا الفشل له تاريخ ، و تاريخه تحتكره طبقة معينة ، هي من تدبر شؤون الدولة، و دامت المرحلة تستدعي الضرب في قطاع التعليم و وخوصصته لخدمة مصالحها الامبريالية، كان لزاما عليها الاستمرار في هذه الارتجالية و محاولة الترويج للإصلاح بطريقتها الخاصة التي ترمي إلى إقناع المغربة بأن الإصلاح ينطلق من الخارج، أي من ترميم المدارس و صباغتها، و تغيير الطاولات و السبورات، و بدل استعمال الطباشير اعتماد الاقلام(لفيتر)، بالإضافة الى اعتماد سياسة جديدة في التكوين و التوظيف، بعدما أصدرت الوزارة مرسوم فصل التكوين عن التوظيف، و مرسوم تقليص المنحة كمنطلق لخطتها الأخيرة في الإجهاز على المدرسة العمومية، من خلال مخطط همجي بالمعنى الحربي للكلمة، و المتمثل في التعاقد مع الأطر التربوية ، و إغلاق أبواب الوظيفة العمومية في وجه حاملي الشواهد العليا من شباب و شابات هذا الوطن. و هو ما قبله المجتمع المغربي بالترحيب، في اللحظة التي كان يجب ان يقف الكل في وجه هذه السياسة التي لا ترمي الى إصلاح المنظومة التربوية و إنما الى تعميق الأزمة و ضرب المدرسة العمومية التي أصبحت في خبر كان، هذا من جهة.

و من جهة أخرى، مساهمة الأسرة التعليمية في هذه المخططات التخريبية لقطاع لا يمكننا أن ننتقل إلى الحداثة التي تعيشها أوربا ، و بناء مجتمع ديموقراطي حداثي دون الانطلاق من المدرسة، باعتبارها المؤسسة الوحيدة التي بيدها مفاتيح هذه الانطلاقة التي يجب على المجتمع المغربي الإقرار بها ، و بالتالي تكريس كل الجهود لخدمتها و مواجهة كل المخططات التي ترمي الى إقبارها. لكن ما لم تلتزم به الأسرة التعليمية هو الحفاظ على المدرسة العمومية و الوقوف أمام هذه السلسلة من الهجمات المتتالية التي أدت بالمدرسة العمومية الى إعادة إنتاج نفس الطبقية بلغة بورديو، بل أكثر من ذلك إنتاج كائنات مشوهة مستسلمة عاجزة ، في الوقت التي يجب ان تعمل المدرسة على تكوين انسان الغد. فكانت مساهمة الأسرة التربوية في تمرير هذه المخططات عاملا مساعدا في ما وصلنا اليه اليوم .

و لهذا فهي  تتحمل قسطا من هذا الفشل، خصوصا في المرحلة الأخيرة التي شهدت موجة شرسة على المدرسة العمومية التي كان من المفترض أن تقف الأسرة التعليمية في وجهها ، بدل انصياعها و قبولها بأمر الواقع، و النضال خلف الشاشات الالكترونية عن طريق بعض التدوينات و الصور . و الأخطر من ذلك هي بعض السلوكات التي شاهدناها مؤخرا و التي يقوم بها رجال و نساء التعليم عن قناعة و بفخر و اعتزاز، و المتمثلة في نفس السياسة التي نهجتها الدولة في قضية الإصلاح الشكلي ، و كأن الأسرة التعليمية اليوم تأكد للمجتمع المغربي في عموميته أن الإصلاح التربوي و النهوض بالمدرسة المغربية لا بد ان ينطلق من صباغة الجدران و الطاولات و تزيين القسم بالصور و الرسومات .. و هذه ممارسة تشكل أخطر هجوم على المدرسة العمومية وعينا به أم لا. فبدل أن تركز الأسرة التعليمية على تلقين مبادئ التربية للأطفال و جعلهم متمردين على أنفسهم أولا و على المجتمع ثانيا و على القرارات السياسية ثالثا، (و هنا التمرد ليس بالمعنى القدحي للكلمة) أصبحت تقوم بوظيفة الدولة في خداع الشعب (بسيط الفهم)، و التأكيد له بأن إصلاح المنظومة التربوية هو بصباغة الجدران، بل أكثر من ذلك هو أن بعض رجال و نساء التعليم أصبحوا ينتافسون على صباغة الجدران و تزيين الأقسام، و هو ما نشاهده يوميا في مواقع التواصل الاجتماعي. و هذه في اعتقادي جريمة تضاف إلى جرائم الدولة المتمثلة في الإجهاز على المدرسة العمومية و إقبارها ..

و بدل أن نقف وقفة متأمل في حالنا، و العمل على ترميم جسمنا المعطوب و الدفع به إلى مصف الدول المتقدمة (المجتمع الغربي نموذجا)، نظل نفتخر بأن كل شيء موجود في كتابنا المقدس و نحن أصل الحضارة و التقدم …