الرئيسية - عمود القلم الأسود - سجين أنا في وطني

سجين أنا في وطني

أسوء شعور ينتاب الإنسان أن يشعر بالإغتراب والوحدة وهو في وطنه وعلى ترابه بين أهله وذويه،يتنفس هواءه ويشرب ماءه، إنها حالة كنت أسمع عنها وقرأت عنها الكثير، لكنني لم أكن أتخيل أنني سأصل إلى هذه الحالة من الشعور بالإغتراب وأنا في وطني الذي خرجت من أحشائه وولدت من رحمه..
ما أقسى الشعور بالغربة وأنت تعيش داخل وطنك! ما أقسى الشعور بأن الوطن ليس وطنك والأرض ليست أرضك! ما أقسى الشعور بأنك تعيش ببدنك فقط داخل الوطن ونفسك تحلق فى فضاء غريب، وأما روحك فهى كالطائر فى القفص مكسورة الجناح مقصوصة الريشكم هو مؤلم أن تشعر أنك غريب في وطنك، وأنك مسجون بأيدي بنو جلدتك الذين وضعت على عاتقهم مسؤولية البلاد والعباد!

تستيقظ فى الصباح لترتشف جرعات الشعور بالغربة فى كؤوس الألم والحنين للوطن وأنت تعيش فيه،لكن ببدنك فقط. وأنى لك أن تعيش فيه ببدنك وعقلك وروحك وقد قتلوا نفسك بألاعيبهم الصبيانية وأمرضوا قلبك بمؤامرتهم الدنيئة وخطفوا عقلك بخخطهم المقيتة وأعيوا روحك بوعودهم الكاذبة وعهودهم الخائنة.

سجين أنا في وطني عندما أعيش فيه وأشعر أنني لست من أصحابه، سجين أنا عندما أرى وطني وقد استولوا عليه بالقوة الجبرية، واغتصبوا ثرواته، واختلسوا كنوزه، وصادروا ممتلكاته، بل جردوه من ملابسه ليتركوه وحيدا فريدا عريانا لايجد مايستر به عوراته حتى ورقة التوت سرقوها ونهبوها..
يصرخ الإنسان من الظلم والتهميش والإقصاء فى وطنه، فلا يجد من يواسيه لأنه سجين، يموت الإنسان فى وطنه فلا يجد من يعزى أهله فيه لأنه سجين، يعرّى ويجوع ويظمأ الإنسان فى وطنه فلا يجد اليد التي تمتد إليه لتطعمه وتسقيه وتكسيه لأنه سجين، يبكى الإنسان ويذرف الدمع مدرارا فلا يجد من يكفكف دموعه ويرضيه لأنه سجين، يقف الإنسان فى صفوف البطالة سنين عديدة فيهرم ويمرض قبل أن يجد عملا لأنه سجين، يذهب الإنسان على قدميه إلى المستشفيات التي لن تجد له مكانا داخلها إلا بعد طول الإنتظار _إن كان محظوظا_ثم يخرج منها مذموما مدحورا لأنه سجين، تقف فى لهيب الشمس وزمهرير الشتاء على الرصيف تنتظر وسيلة مواصلات تنقلك إلى إدارة لإنجاز وثيقة فلا تجد ، وتمر عليك المرسيدس والشبح وأصحابها يخرجون ألسنتهم لك سفاهة واستهزاء بك لأنك فى وطنك سجين. كم فيك يا وطني من المضحكات المبكيات؟
العجائب والغرائب في هذا الوطن الذي نحيا فيه تحولت إلى متتالية مجنونة بلا أس ولا أساس، ما عدا قاعدة أنه أصبح لنا في كل موقعة تهم تنتظرنا· فالأعتقال لأتفه وبأتفه الأسباب أضحى ”لا حدث” أمام حدث تعايشنا معه كواقع لا فرق بينه وبين شرب الماء، كل يوم مأساة جديدة وكل يوم دموع والدة وحزن والد على فلذة أكباد، لم يعد يعني سجنهم إلا ذويهم·
بصدق نخاف أن يستقيظوا يوما وأقصد “من تقلدوا المناصب” من أبراج حكمهم وقرارهم فيجدون السجون هي كل ما بقي من هذل الوطن العزيز ، من لم يسجن فيه بتهمة سجن بغير تهمة داخل زنزانة قضبانها واقع مخزي وجدرانها بنية اجتماعية هشة وحارسها والفاعل كما تعرفون جميعا غياب حكومة لا تجتمع إلا على تشريع الضرائب وقرار معاشات البرلمانيين والوزراء ورفع الأسعار.