الرئيسية - المقالات - عزوف الشباب القروي عن الزواج

عزوف الشباب القروي عن الزواج

 

 

   ظاهرة العزوف عن الزواج في المغرب ظاهرة قائمة منذ زمان، و لا داعي للحديث في عموميتها لأن هذا الموضوع سال فيه مداد الكثير من الأقلام. قصدي في هذا المقال هو البحث عن الأسباب الحقيقية وراء عزوف شباب العالم القروي عن الزواج بصفة خاصة، علما أنه و في عهد قريب كان هم الشباب القروي هو ” اكمال الدين” و اعتناق الزواج في سن مبكرة من أجل بناء أسرة و مساعدة الأب في مشاريعه الفلاحية.

 

   في عهد غير بعيد في عالمنا القروي، و عندما كانت تظهر العلامات الأولى للبلوغ على الشاب، كان الأب يهمس في أذن زوجته و يدعوها إلى التقرب من الابن و إقناعه بمزايا الزواج المبكر، حيث يقال عادة:” ولد اللحية يخدم على الشيب و ولد الشيب يخدم على الخلا”، باعتبار الزواج المبكر بمثابة مشروع مستقبلي، حيث يجد الأب نفسه و هو في كامل قواه الجسدية و العقلية محاطا بأبنائه الذين توكل لهم مهمة القيام بأشغال الفلاحة. تقوم الأم بحيوية ونشاط بايصال الخبر السعيد إلى الابن الذي لا يبدي أي اعتراض و غالبا ما تترك حرية اختيار الزوجة المستقبلية للأبوين، و يكون اختيارها من بين الأهل أو الجيران. تقام مراسيم الخطوبة في جو تغمره السعادة، يتعمد الابن الاختفاء عن الأنظار حياء من الآخرين. تستعد العائلة للاحتفال بحفل زفاف يبقى لحظة سعيدة في أرشيف العائلة. ينتهي حفل الزفاف و تستمر الحياة…

 

   اليوم و أثناء تجوالي في القرى المجاورة أصادف أعداد هائلة من العازبين فضلوا البقاء عازبين دون أدنى تفكير في الزواج و بناء أسرة، بعضهم فات سن الخمسين فلم تنفع معه مراودات الأهل و الأصحاب و لا بركة الأولياء الصالحين. تقربت أكثر من هذه الفئة لمحاولة إيجاد خيط ناظم لهذا الخلل الاجتماعي، وتحديد الأسباب الكامنة وراء ظاهرة عزوف شباب العالم القروي عن الزواج. حقيقة هذه الظاهرة من الصعب الإحاطة بكل مسبباتها ما دامت تنتمي إلى ظواهر العلوم الانسانية التي تعجز أحيانا عن اإيجاد تفسير علمي للظاهرة الاجتماعية و تحديد القوانين الشاملة المؤثرة فيها عكس الظواهر الطبيعية، و تكمن الصعوبة في إشكالية فصل الذات عن الموضوع، و لهذا يجب على الباحث في السوسيولوجيا تناول الظاهرة الاجتماعية كأشياء كما يقول السوسيولوجي الفرنسي اميل دوركهايم.

 

   هنا سأحاول ايجاد بعض الأسباب التي جعلت شباب القرى يمتنع عن الزواج. في نظري الشخصي و من خلال مقاربتي لهذه الظاهرة يظهر أن معظم المستجوبين اكتسحهم اليأس و الخوف و الكسل و فضلوا الابتعاد عن مهنة الأباء و احتقارها و اعتبار الفلاحة عديمة الفائدة في ظل التغيرات المناخية الراهنة والتي لا تضمن مستقبلا قارا يوفر كل حاجيات بناء أسرة قارة في ظل العولمة، فاكتسحت هذه العينة من المستجوبين نظرة تشاؤمية اتجاه المستقبل، فيبدو لهم الأفق مظلما الشيء الذي يستحيل معه التفكير في بناء أسرة خوفا من غد مجهول قد يعصف ببيت الزوجية، و خوفا من الفشل الذي فشل فيه أخرون قبلهم، حيث معدلات الطلاق انتشرت بصورة مهولة في القرية الواحدة في السنوات الأخيرة.

هذا يعني أن أبناء اليوم يائسون و خائفون و كسالى، و عندما يعتنق الشاب هذه المبادىء و يستسلم لظلمة الحتمية ويعتقد أنه ضحية الظرفية الصعبة، فهذا يعني أنه فقد الأمل والحافز و من ثم الوقوع في شباك العزوبية و تقبل أمر الواقع. و في ظل هجوم الثقافات الأخرى و التي أفسدت مشهد الثقافة المحلية، أضحت الحياة في عصرنا هذا مع الهاتف الخلوي أكثر تعقيدا، حياة مرهقة أنتجت شبابا يحملون مجموعة من التصورات الخاطئة في حق الفتاة عموما تمثلت في الأذهان نتيجة اختفاء الحشمة وتعدد مصادر انتشار الميوعة، يقال مثلا:” ما بقاوش بنات الناس”، هذه اللازمة وجدتها متداولة بكثرة بين الشباب القروي خلال استجوابي معه الشيء الذي جعل هذه الجملة تمارس سحرها الهدام على العقول و ترمي بالشباب إلى بحر العزوبية.

 

   اليأس، الخوف من المستقبل، الكسل، التصورات الخاطئة… كل هذه الأسباب و غيرها جعلت معظم الشباب القروي يتخذ مكانا قصيا على هامش الحياة، فمعظم المستجوبين الراشدين يتمنون الزواج و بناء أسرة إلا أنهم لا يستطيعون إلى ذلك سبيلا، الأمر الذي جعلهم يحسون بعقدة النقص، فحاولوا تعويض النقص بالخطأ ليثبتوا وجودهم داخل هذا الكوكتيل السريالي من الفوضى الوجودية، بعضهم غاص في دخان السجائر والمخدرات هروبا من واقع لم يتكيف معه محاولا نسيان مجتمع لم يرحم، يقضون معظم أوقاتهم في تبادل لفافات التدخين و تبادل دردشات أشبه بهستيريا، لفافات تجعلهم سكارى و ما هم بسكارى، و إذا سألتهم السؤال المحرج: لماذا لم تتزوج بعد؟ يجيبوك دون تفكير:”بمن غادي تتزوج؟”.

آخرون نسوا الزواج و عوضوا حب الزوجة بحب الليغا، تراهم يتابعون مباريات الدوري الاسباني بشغف و جنون، يهربون من واقعهم إلى ملاعب أوربا للاستمتاع بأهداف كروية عابرة لا تسمنهم و لا تغنيهم من جوع، تسيطر أخبار الكرة على أحاديثهم اليومية ويعلو صوتهم فوق كل الأصوات مشجعين الفريق المفضل لديهم و يدعون بأن الليغا تخلق المتعة.

المتعة يا غافل هي أن تبتعد عن كراسي المقهى و تستعد للعمل و تطرد الوساوس و بالتالي يهون عليك الزواج، أنذاك سترى المتعة الحقيقية بين أحضان زوجتك.

 

   ختاما نستخلص من اتحاد ظاهرة العزوف عن الزواج مع ظاهرة الهجرة القروية أنه لا داعي لرجال الإحصاء لزيارتنا مستقبلا، و لا داعي لفقيه ليؤذن في قرية خالية على عروشها. يقول رجل كبير: في السبعينات من القرن الماضي كانت القرية تحتفل بأكثر من عشرين حفل زفاف، اليوم لا تتعدى أربع حفلات زفاف أو خمس في القرية الواحدة.

كاريكاتير: يوسف بخوثة (أرشيف)