الرئيسية - الواجهة - الموسيقى وعُشَّاقُها النَّاكِرون!

الموسيقى وعُشَّاقُها النَّاكِرون!

الحاجُ “مصطفى الصوفاني” أشهرُ صانعٍ لآلتيْ العُود والكَمان في مصر كلِّها، خبيرٌ في استنطاق الآلة الموسيقية بأصابع ذهبية لا مثيل لمرونتها بين العازفين المحترفين، يودُّ المطربَ والملحن “محمد فوزي”، ويجتمع عنده رهطٌ من الفنانين المشهورين، ويدورُ الحوارُ بينهم حول طرائف العزْف ونوعية الأوْتار وأصالة الخشب، وبخاصة آلة الكمان التي تنتقل بينهم لتجريبها؛ تصير شيئاً مبهراً…
وزيادة، يملك مشروعاً أزلِيّاً يتشاحنُ بسببه مع وزارة المعارف العمومية؛ لأنَّ حُلْمَه الكبيرَ أن تقوم وزارةُ المعارف بزرْعِ فنِّ الموسيقى في تلاميذ المدارس منذ نعومة أظفارهم… فهو في رأيه بوابَة الحضارة الحقيقية والتقدم المرموق…
لكنَّ، المبهرَ أكثر، أو لنقل المدهش، والغريبَ، أن هذا الحاج الخبير بالموسيقى، حرصَ أشد حِرْصٍ أن لا ينتسب ابنُهُ “عبد البصير الصوفاني” إلى عالم الموسيقيين والفنانين، وكان يزجره بقسوة، وينهاه كل النهي أن يستمع إليهم، أو يفكر أن يلعب بآلة، أو يتعلم العزف على عُودٍ أو كمانٍ!
ويوم اكتشف أنَّ ابنَه “عبد البصير” يعزف على آلة الكمان بمستوى لم يسمع مثله من قبل، قامت القيامة في بيته، إلى درجة أنه طلَّق زوجته؛ لأنه شعر أنها دلَّست عليه، وأخفت نشاط ابنِها، ودارت على سهره المتواصل في الحفلات…!
المطرب “محمد فوزي” نفسُهُ حاول منعَ أخته الكبرى “هدى سلطان” من وُلوجِ عالم الفنِّ، فلم يقدرْ…!
أشارَ “خيري شلبي” إلى هذه الواقعة في روايتِه (صهاريج اللؤلؤ)، دون أن يذكر اسم “محمد فوزي” صراحةً، ودارَهُ باسمٍ آخر هو “محمود فهمي”، لكن بالعودة إلى سيرة “محمد فوزي”، والمعلومات التي استقيناها من هنا وهناك، وبخاصة في حوارٍ تمَّ بين ابن الفنان، المهندس “نبيل محمد فوزي”، وبين مجلة (الشباب)، في عددها 288 يوليو 2001، يتأكد لنا هذا الأمرُ.
في نفس الرواية نلتقي بعائلات تستقطب الموسيقيين في حفلاتها الخاصة والعامة، وتقضي أوقاتا ممتعة مع العزف والغناء، لكنها تمنع أبناءها وبناتها من الاشتغال بالفن، والاهتمام بالموسيقى والطرب، إلى درجة الموت.
ففي بيت أحد الأثرياء، وبمناسبة حفل زفافٍ، حضره “عبد البصير الصوفاني”، وعزف فيه مقطوعات موسيقية، حتى أن مسؤولاً إذاعيّاً من أبناء عمومة الرجل الثريِّ، أبدى إعجاباً كبيراً بالعزف… في هذا البيت كانت تعيشُ بنتُ عمِّهم، وهي فتاة مثقفة، وفنانة، فلم يقبلوا أن تكون لها هذه الميول الفنية، فحبسوها في البيت، وجعلوها تنقطع عن دراستها الجامعية، وعن موهبتِها الفنية، وطالت مدة الحبْسِ، وفي ليلة العرس نسوا بابَ غرفتها مفتوحاً، فحصلت على الغاز والكبريت من المطبخ، وأشعلت النارَ في جسدها، فماتت! 
لا يحدثُ هذا في الرواية فقط، بل في الواقع أيضاً، وكثيرٌ من الناس يعشقون الموسيقى، ويستمعون إلى مطربين ومطربات بالذات، لكنهم يجدون حرجاً في أن يهتمَّ أبناؤهم وبناتهم بفن الموسيقى، ولا يفكرون أن ينَمُّوا فيهم موهبة العزف والغناء إذا وجدوهم يعزفون على آلات، أو يصدحون بأنغام، ولا يصدق عليهم مثلُ: (طالما أنت طبّال وأنا زمَّارٌ سنتقابلُ على باب الدار)… هم لا يتقابلون، بل غالبا ما يختصمون!
هذه الظاهرة موجودة حقيقةً، ولا أعلم سببها، أو سرَّها!
والتفسيرُ الوحيدُ الذي أجده أن الناسَ ربما يفكرون أن هذا العالم (عالم الموسيقى) ليس نظيفاً، وأنه تحْدثُ فيه مفاسد وموبقات، وأن الشيطانَ هو إلهُ الفنانين…!
وفي الرواية (صهاريج اللؤلؤ) نماذج كثيرة من موسيقيين ومطربات على درجة كبيرةٍ من الاحترام والصدق والنزاهة، وهم شرفاء وشريفات، ويقيمون الصلوات.
إن الموسيقى ليست عيباً ولا حراماً، وإذا اقترنت بفلسفة التربية خصوصاً، فهي ضرورية بالنسبة إلى الشعوب الناهضة، وخير ما أختم به هذه الورقة كلمات جاءت في الرواية:
«إن الشعبَ الذي يُحِبُّ الموسيقى ويتذوقها لابدَّ أن يتموْسَقَ كلُّ شيءٍ في حياتِه: نظام البيوت، نظافة الشوارع، اتساق المدن، ازدهار الحدائق، اتصال الأفكار، حرارة المشاعر.. إن الموسيقى كفنٍّ زمنيٍّ يوقظُ في الإنسان الإحساسَ بالزمن، بقيمةِ أن تمتلئ كلُّ برهةٍ بشيء منغومٍ منظم للإحساس وللعمل، والنغمُ نقيضٌ للفوضى، وعدوٌ للفراغ»…
فيا للأسف أن يكون للموسيقى أعداءٌ!