الرئيسية - إبداع - نزيفُ الذاكرة (قصة قصيرة)

نزيفُ الذاكرة (قصة قصيرة)

سفيان البراق
 
تطولُ الطريقُ كطولِ الموت الممتد إلى الأعناق، الرابض في القلوب، يحيلُ الدمُ ماءً والعروقُ مجاري “الواد الحار”، والنطفة التي أخرجتك لعنةً من السماء. وحدك تسيرُ والذاكرةُ تنزف، تسيرُ مترنِّحاً لا تدري متى ابتدأ طريقك، ومتى سينتهي.
أنا هنا أسيرُ بخطواتٍ عرجاء وهي هناك تغسلُ أقدام النَّازحين، وتستقبلُ حيامين العابرين الذين لم ينتهِ عبورهم بعد. الخطوة العرجاء تطوي الطريق، وليتَ الريح تدفعها، ليتها تحملني برقاً ورعداً، يدُّكُ بحر الظلماتِ القائمِ بيننا ويُطلُّ الرب من عليائه، يقول كن.. ولا تكن. ويسألونك عن الموتِ الرابض في القلوب، سأفجرهُ سطوراً في هذا البياض الفارغ. سأقبضُ زمامك أيَّتها اللغة المتمردة، وأطيح بك من عليائك، وينظرُ إليك البياضُ ساخراً متحدياً كالموت: “أبداً لنْ تديرَ إليك اللغة مؤخرتها !”.
 
هي اللعنة تطاردني الآن فتسحقني على وَقعِ هذا السكون البليد، يمتدَّ بصري إلى السماء، النجوم ترتعشُ والليل يتعنتر. أجلسُ أمام عتبةِ الدار، أفركُ يدي، أبحثُ عن دفءٍ لا وجودَ له، أغمضُ عيني وأحلم. الوهمُ يغزوني، يَغتالني، يسكرني، فأسيرُ مترنِّحاً، دون هدف، من زقاقٍ لآخر، لا أدري كم مضى من الوقتِ ولا كم قطعتُ من الطريق، كل ما أعرفهُ أنَّه لم يكن والدي، الذي ماتَ وسبني وشتمني، كان شيئاً آخر، أنا متأكد. والدي ماتَ منذ قُرون، وبيدي هاتين دفنته، أستحضرُ الصورةَ الآن كما لو حدثت بالأمسِ القريب، حملتهُ بين كتفي، أخذتُهُ بعيداً عن المدينة، حفرتُ حفرةً عميقة وانتهى كلُّ شيء، لا، لم ينتهِ، نظرته المُشرئبة من أعماقِ الحفرة سهمٌ قطعني، كانت تلعقُ غذري وخيانتي.
 
لا لمْ أقتله، أنا لستُ خائناً ولا قاتلاً، وأسرعت خطواتي العرجاء، أحاولُ الفرار من الوهم، وأنا الوهمُ الكبير، يتملَّكني دوار غريب، ويتثاقلُ جفناي، والطريقُ تتراقص، الكلابُ تجري ورائي، وأنا أجري رغم كلِّ شيء. ألهثُ وأشربُ عرقي المالح، وأمدُّ بصري إلى العدم الممتد أمامي، تُدرمني الكلاب، تعضني، تنهشُ لحمي، أصرخُ مستغيثاً، متألماً، أتساقطُ أمامها عاجزاً، أمدُّ يدي لأخنقها، لأمزق الظلام اللامنتهي، أقومُ من قلبِ الظلام كالميت يغسلني عرق محموم، تتلقاني بنظرتِها الآسرة، تفتحُ ذراعيها وتَضمني.
 
تسألني قائلةً: ماذا بك يا ولدي؟
أجهش بالبكاءِ، تضمني إليها، أطمئنُّ إلى صدرها، فأحاولُ نسيانَ كلِّ شيء إلاَّ هي، أغمِضُ عيني فأشعرُ بأنفاسها تدنو مني، تهوي عليَّ بشفتيها، تعضني حتى تدمي شفتي، أتألم، أعتصرُ نهديها فيخرجُ حليبها أسودُ اللون كالنفط، خانقاً كالنفط، يداها حية تسعى في شوارعِ جسدي، تلذغني بكلِّ ما أوتيت من سم. أحاولُ فتحَ عيني، أصرخ، ليست هي، كانت غولة عظيمة تمتصُّ دمي، أصرخ بكلِّ طاقتي، أحاول تمزيق الحلكة التي تغتالني.
أفتحُ عيني فجأةً، قلبي ينبضُ بقوة والعرق يتصبب من كل أنحاءِ الجسد، ورأسي يكادُ ينفجر، أشعلتُ سيجارة، سحبتُ نفساً عميقاً وتريثت قبل إخراجِ الدخان، كنتُ أريده أنْ يحرق كلَّ شيءٍ بداخلي، أريده أنْ ينتزع تلك الروح الساكنة بين الضلوع. وأعودُ إلى قلمي، وحدك يا عزيزي شهادةُ حياتي، بك أفتضُّ بكارةَ الفراغ والليل.
 
تداخلت الصور والأحداث، وتكاثفَ الدخان في الغرفة ورائحة السجائر والشراب، وأنا أتطلَّعُ إليهما – بين رغبتين – من ثقبِ الباب الخشبي الذي صنعهُ والدي من أجودِ أنواعِ الخشب، وقضى في صنعِهِ أيام عمره وشبابه، وغسله بعرقه ودمه. تفتحهُ اليوم على مصراعيه. وجسدها الأخضر، أصبحَ صحراء بترول، وأنْتَ أمير تحشو بطنك بعرقها ولهاث شهوة العابرين، وحين يغلي الدم في عروقك، ويصمُّ اللهاث أذنيك، تفترعُ الباب، فتتلقاك الهروات، وتُبادرك القيود، فتلجأ إلى أقلامك وأوراقك، تحشو الفراغ بكلماتٍ ملغومة غير قابلة للانفجار، واليوم، حتى هذه الكلمات المجنونة تفرُّ مني، تتركني وحيداً أتجرعُ الموت، وأهربُ من الهروات بخطواتٍ عرجاء تطوي الطريق طيا، أسيرُ لوحدي دون خضوع للزمان والمكان، بصري يمتدُّ إلى العدم، شيءٌ كالجنونِ ينتابني، لا أدري ماذا حلَّ بي. هل هو اشتهاءُ الرحيل؟ أم هي رغبةٌ في إثارةِ الآخرين؟ أود لو أصرخ في وجوههم وصرختُ في وجهه: لا تنظر إليَّ هكذا، هل كنت سكراناً؟ لا أدري.
كلُّ ما أعرفهُ أنِّي لم أقتلهُ ولا أحد يتهمني بقتلهِ، حاولتُ الفرار من هذه الأوهام، أشعلتُ سيجارة سحبت منَّا أنفاساً وسرتُ في طريقي، الممل، تعبتُ من المشيّ، البردُ والتعب أرغماتي على التوقف برهت. حاولتُ أنْ أشغل نفسي بالنظر إلى الوجوه التي تمرُّ أمامي، وتتبع المؤخرات الضخمة، والصدور الناهضة، أحاول أنْ أوقِظَ الجانب المنسي مني. وحين وقفتُ أمامها – تلك المرأة مترامية الأطراف – لم يندفع الدم في عروقي، لم يخفق القلب. كان جامداً كالموتِ، أمسكتُ رقبتي ورمتني خارج غرفتها وقال: أنا لا أستقبل غير الرجال. تهاويتُ على الأرضِ وتسارعت الدموع رغم أنفي، أنا سيد دويلةٍ يا والدي فهل تعلم؟.
 
ومرةً أخرى تُطردني لعنةُ نظرته، هو الوهمُ ولا شك، وقفتُ، لا أدري أين وقفت، ازدادت حدةُ الوهنِ والدوار، وشعرتُ برغبةٍ في الصعود إلى الأعلى، إلى السماء، وسأهوي إلى الأسفل جثةً هامدة لا تحرِّكُ ساكناً. وأنا أحلقُ في السماء بأجنحةٍ متكسرة، عيناهُ تطاردني – أبداً لن تقبلَ الخيانةُ والمهانة – تنطلقان من أعماقِ الحفرةِ وتجذباني إلى الهوةِ السحيقة، فأتهاوى في مكاني، السماء غاضبةٌ، والدنيا تكادُ تختنقُ برائحةِ الطين والموت. وأنا سأصبحُ جزءاً من الإسفلت، يجري دمي عليه ليصبَّ في مجاري الواد الحار. السماء حزينةٌ وشيءٌ كالرعد يعلن بداية تساقطِ الغيث ليضع حداً للجفاف الذي أمات الأرض، يتساقطُ المطرُ، يختلطُ ماءُ المطر بدمي، يغسلني، يفجِّرُ رائحةَ الموتِ مني ومن الأرض؛ أغمضُ عيني وأستسلمُ للقطرات النازلة من السماء، إنزل أيُّها المطر واجرفني مع الأوحال، إني أنا أموت، إني أنا أموت.
يختلطُ الماءُ بالدم بالدمع بالذاكرةِ المثخنة، وعينهُ باب جحيم يجذبني إلى الاحتراق، وهي هناك تلعقُ لعابَ الزوارِ العابرين، ترقصُ رقصةَ الموت الأخيرة، وتحلمُ برجلٍ لا كالرجال.