الرئيسية - عمود القلم الأسود - إنا على فراقك لمحزونون

إنا على فراقك لمحزونون

بحسرة وأسف ننعي صديقنا وزميلنا في الفن فريد صبري، هذا الفتى الطيب الذي لم يتعدى عمره الرابعة والعشرين، بغصة في الحلق نحاول تصديق الخبر الصاعقة الذي حل علينا أمس  ونحن في غفلة من أمرنا، حين قرأنا كلنا خبر رحيله   إلى الرفيق الأعلى، ذاك الصموت الخلوق الذي لا يتكلم إلا لماما ليعطيك جوهر الشيء لا قشوره.

عرفته من خلال صفحات الفيسبوك وهو ينشر رسوماته الأولى في عالم الفن المشاغب، فترسخت بيننا علاقة الصداقة والتعامل الفني حين التقيته أول مرة  هناك بالمدينة الزرقاء  شفشاون خلال الملتقى الوطني لفن الكاريكاتير والإعلام في دورته الثامنة، أنذاك جاءها بدعوة من المنسق العام للملتقى عبد الغني الدهدوه، هذا  الأخير الذي كتب لنا  الخبر ليصعقنا ويرد كل واحد منا إلى رشده. وهو نعني خبر ورحيل أفجع أسرة الكاريكاتير بالمغرب.

جالسته هناك مع غيره من الفنانين وأصدقاء الشغب الجميل، كان كالفراشة وهو يكتشف المدينة الجميلة والأصدقاء المشاغبين على أرض الواقع، خضنا في مواضيع كثيرة جدا، ودعوته لحوار على صفحات القلم الأسود، فرحب بالفكرة وكان عند حسن الظن بحوار جميل وكلام في مستوى فكره وطموحه وتطلعاته ونظرته للفن والكاريكاتير.

سحرته أنداك  المدينة وأراد أن يأخذ صورا للذكرى، وعوض أن يطلب الصور طلب مني بيعه لكاميرتي الصغيرة، قلت له مازحا لا عليك سأشبعك صورا حتى الثمالة، ضحكنا حينها ونحن بساحة وطاء الحمام  وشكرني بابتسامته التي لا تفارقه أبدا. أخذنا صورا كثيرة وتهنا في المدينة الزرقاء وشعابها، وتفرقنا بانتهاء الملتقى الثامن لفن الكاريكاتير والإعلام مودعين بعضنا البعض على أمل اللقاء في الدورة المقبلة. 

كان يؤمن بقضيته، وكان يعتبر أن القضية هي جوهر الفن والفنان، كما دافع عنها في جل رسوماته الساخرة. كان يريد أن يطور فنه بأي طريقة كانت، تقنيا وفكريا، وتأتى له له بحصوله على عدة جوائز وطنية ودولية، آخرها الرتبة الثانية في مسابقة المجلس العربي للمياه. كما  أفصح لي في حوار ثنائي أنه ينوي دخوله في مشروع فني بالرباط، ودائما في علاقة الفن بالتربية مجال اشتغاله.

شاءت الأقدار أن نلتقي مجددا في الملتقى الوطني لفن الكاريكاتير والإعلام في دورته التاسعة بشفشاون، بابتسامته الجميلة الصامتة، وشاءت الأقدار أن ينسى عندي ملفا أصفرا كان يحمله طيلة أيام الملتقى، به أوراق بيضاء، لم أفتحه بالمرة، أو كنت أتقاعس في فتحه أكثر من مرة. وفي الآونة الأخيرة حاصرني صوره بحاسوبي وأنا أتفحص بعض الصور في ذاكرة مصورتي، كنت أمر على صوره أكثر من مرة في اليوم الواحد، وقلت مع نفسي يجب أن أجمعها وأرسلها له في أقرب وقت. كان قد غاب عن صفحات الفيسبوك في الفترة الأخيرة، لم نتفطن لغيابه بكثرة مشاغلنا، حتى عاد يوما بتدونة اختفت عن صفحته بالفيسبوك يقول فيها:  “بعد أن شفيت من مرض الزمني الفراش سألتقي مع أصدقائي من جديد بالرباط” . عشق الرباط وربط كل نجاحاته بها، حتى  أن أخر حوار بيننا كان يدور حول كاريكاتير الطفل وعن مشروعه الفني بهذه المدينة.

عدت يوم الصاعقة وقد تلقيت الخبر إلى ملفه الأصفر الذي احتفظ به لأفتحه، وجدت به خربشاته بالمدينة الزرقاء، هي عبارة عن وجوه الحاضرين، عرفت بعضها، وكانت تعود إلى صديقه المميز عبد الغني الدهدوه، وكذا الفنانة رهام الهور، في حين لم أتبين الوجوه الأخرى التي لم تكن مكتملة. صورت كل صفحة على حدا ونشرتها للزملاء ليتفاعلوا معها على صفحات هذا العالم البئيس.

الدينا غرارة ولا ثقة لنا فيها، قد تأتيك بالفواجع وأنت على غفلة من أمرك، هذا هو حال المرحوم فريد صبري الفنان الشاب الذي لم يتذوق طعم الحياة بعد. خطفه الموت منا وهو في أولى خطواته في الحياة. فرحمة الله عليك وألهم ذويك الصبر والسلوان ولا يمكنني أن أقول أيها الفتى الجميل الذي ودعتنا بصمت كما كنت تحيا، لا  يمكننا أن نقول أثر هذا المصاب الجلل سوى إنا لله وإنا لله راجعون؟ وعزاؤنا واحد في فقدانك أيها الرائع، كنت خير مثال للفنان العصامي الذي يبني نفسه بنفسه، كنت خير إنسان، ولا نقول إلا إنا على فراقك لمحزنون يا فريد صبري.