الرئيسية - عمود القلم الأسود - كلام عن ظاهرة التكريم

كلام عن ظاهرة التكريم

قرأتُ مقال صديقي الشاعر (الغاضب) “علي أزحاف”، وفي إمكان القارئ أن يُرْجِعَ الغضبَ إلى المقال أو إلى صاحب المقال، أو إلى كليهما معاً.. والغضبُ هو سمةُ عصْرِنا جميعاً، ويكاد يكون العنصر المشترك بين أبناء هذا الزمن، وهذا الوطن!
وسبب غضب صديقنا “علي” أنه رأى أنَّ الشعْرَ ذُلَّ وأهين، وقد عدَّدَ لنا في مقاله مظاهر الذلِّ وصور الهوان والإهانة، وهي مظاهر متفشية، وصورة منتشرة.
وقد دفعني مقالُ “علي” إلى التفكير في مسألة أخرى، هي عكس تماماً ما جعل “علياً” غاضباً، وهي مسألة التكريم؛ تكريم شاعر، أو قاص، أو ناقد، أو فنان، أو أي مبدع كيفما كان مجالُ إبداعه…
فإنه يحدثُ أن تقوم جهةٌ ما؛ جمعية، أو جامعة، أو هيئة حزبية أو نقابية، بتكريم فلان أو فلانة، وتظهرُ لنا صورُ هذا التكريم، ونرى المُكَرَّمَ محاطاً ببعض أصدقائه ومعارفه، يهدون له باقةَ ورْدٍ، أو لوحة فنية، أو صناديق مغلفة بورق سلوفان ملون، أو تذكاراً…
وقبل أن يفعلوا ذلك، يهدون له كلمات تكريم، وشهادات، ويحكون عنه بعض الحكايات والذكريات، (أنا نفسي شاركت في مثل هذه المناسبات، وأهديت كلمات لبعض المُكرَّمين).
والسؤال: على ماذا يتمُّ التكريمُ؟
وما هي قيمة منْ يُكرَّمُ في مدينته أو إقليمه أو وطنه؟
وماذا قدَّمَ من أعمال أو خدمات أو أفكار حتى ينالَ التكريم؟
وما هي آثاره الملموسة، ودوره الفعال، حتى يشعر بنو جِلْدته أنه واجبٌ عليهم أن يكرِّموه؟
ولا فرق في هذه المسألة بين من كانت شهرتُه واسعة وبين من كانت شهرته محدودةً.. بين من يشتغل في الأدب والفن وبين من يشتغل في الفكر والفلسفة…
والتكريم يكون مجرد احتفال بسيطٍ، ونوْعاً من جبْرِ الخاطر، والمكرَّمُ نفْسُه لا يشعر أنه صاحب قيمةٍ كبيرةٍ، ووزنٍ ثقيل في مجتمعه، إلا إذا سيطر عليه وهْمٌ بذلك… ولا أقصد من ناحية إنتاجه الأدبي والفني والفكري، لكن أقصد من حيث آثارُ إنتاجه في الحياة وبين الناس.. في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق… والذين يناسبُهم التكريم، بمعنى أنه ينسجمُ مع ما يقدمون هم أهل المال والسلطة، وهؤلاء بدورهم يكرِّمهم الذين ينتفعون بهم، ويأكلون معهم الحلاوة.
مساكين الأدباء والمفكرون حين يُكرمون وحين لا يكرمون؛ ذلك أنه لا أثر لما ينتجون في بيئتهم.
وأن يرى هؤلاء آثار إنتاجهم في الحياة والواقع هو التكريم الحقيقيُّ، وليس احتفال في ساعة من الزمن.