أُعلن وفاتي..

كلما أُعلنوا رسميا خبر وفاة  أحد أحبتي أعلن مباشرة بعدها وفاتي..

عندما طبعتُ قبلة على جبين حبيبتي واستجديتُ من روحها الطاهرة المسامحة أعلنتُ فورا وفاتي..

عندما شممتُ رائحة الموت، ولمستُ صفرة المحيا، وعانقت بياض الكفن أعلنت أمام فتن الحياة وفاتي.

حينما حملوها تحت صيحات التكبير وسجنتُ أنا بداخلي كل الصيحات لكي لا أؤذيها لكني يومها آذيت ُ نفسي كثيرا، لم أصرخ لكني قتلتُ بداخلي كل مشاعر الفرح، وأعلنتُ على كل الأحاسيس وفاتي..

عندما رأيت قبرها تعلوه باقات ورود بكل الألوان التي كانت تُحبها، وحينما لمحتُ دموع أطفال صغار آلمهم موتها، وحينما طلبتُ من دموعي أن تتمسك بالإيمان فكفرتْ أعلنت على الصبر وفاتي.

عندما خانتِ العهد ضفيرة الطفولة..

عندما هجرتِ الطريق رفقة الطفولة..

عندما قست براءة الطفولة..

وعندما اغْتَرَّتْ عفوية الطفولة، أعلنت على الصدق والصداقة وفاتي..

حينما تحجرت المشاعر وطفت المصالح الخبيثة فوق كل القيم، فوق كل المبادئ وفوق كل مشاعر الحب الصادق..

حينما رأيتُ الخبث والخبائث في طبع البشر ولم أصادفهم يوما في دورات المياه كما علمونا في الصغر..

حينما لمحتُ السم يقطر من بين شفتين آدميتين، سُم مميت لا ينفع معه اعتذار ولا ندم، سُم لا أظن الأفاعي تُطيق حفظه تحت لسانها..

حينما رأيتُ سنوات العشرة تذوب كما الجليد، تتناثر مثل حبات المطر على أرض وسخة لتُغرق قلوبنا ألما وحسرة..

 وحينما يُسقطون هرم الاحترام والتقدير والمحبة عند أول خطوات خصام أو نقاش أو اختلاف لنرى على السفح نذالة وبشاعة أقنعتهم، حينها أعلن على الثقة وفاتي.

نحن نُعلن وفاتنا بعد كل موقف، بعد كل فقد، بعد كل نكران وجحود، بعد كل لكمة تهديها لنا الحياة وبعد كل صفعة نتلقاها من يد المحبين، نعلن وفاتنا بوفاة ضمائرهم، بجفاء مشاعرهم وبحربائية أقنعتهم.

 ننكمش في ركن قصي لنتحسس ما بقي حيا بداخلنا، نتحسسنا عضوا عضوا، لكن كل أعضاءنا في أحسن تقويم، كل أعضاءنا مازالت تنبض بالحياة، فما الذي أو من الذي توقف عن الحياة في دواخلنا  اذن؟

نعلن وفاتنا ثم نأخذ وقتنا الكافي لإجراء مراسيم دفن بعض مشاعرنا وبعض الأشخاص – الذين سقطت ورقتهم وحان أجلهم – في مقبرة النسيان، نترحم على الوقت الضائع معهم، ثم نعود لنعانق الحياة من جديد، نعود لنتقوى من جديد، فالمواقف تضعفنا وتقوينا، تسقطنا ثم تمد لنا يدا من حديد لترفعنا، وكلما أعلنا وفاتنا نقيم بعدها عيد ميلاد جديد.

نوال غــازي

 

البيضاء 16 مارس 2018