تصلب الأحاسيس

تضعك صُدف سيئة في طريقهم، بعد مرور وقت طويل على عدم لمحك لأطيافهم القادمة من الماضي، فيلقون القبض عليك لا لشيء سوى لينهالوا عليك بأسئلتهم الموجعة كي يطفئوا لهيب فضولهم ويشبعوا نهم تطفلهم..لا تهمهم مشاعرك ونزيف جراحك، بقدر ما يهمهم فتح تحقيق مفصل معك، وتعميق البحث في ملفاتك القديمة التي تركتها في أرشيف التناسي، وكل هدفهم تذكيرك بأوجاعك، وإحياء ذكرياتك الأليمة، وإيقاظ خيباتك من جديد..
قمة قلة الذوق أن يتدخلوا في شؤونك الخاصة، وينطقوا بحكمهم عليك بالفشل المؤبد بعد مُصادرتهم لحق دفاعك عن نفسك، دون أدنى مراعاة للظروف التي عشتها، والتي جعلت مسار حياتك ينقلب رأسا على عقب، بعدما كنت تسير في خط مستقيم صوب أحلامك، أحلامك التي تعرضت لحادث سير مروع، لذا، لم تتمكن من تحقيقها، لكنهم يصرون على أنك أنت الذي كنت تقود بتهور، وأن كل الذنب ذنبك..يتلذذون بتعذيبك بمنتهى السادية، وهم يصفون لك ملامح الشخص الذي كنت ستكون عليه لولا تعرضك لأزمات حالت دونك ودون تسجيل هدفك في مرمى المستقبل، ويقحمون أنوفهم في حياتك الشخصية وفي عيونهم غيوم سوداء من الغل والتشفي..
كم هم كثر في هذا الزمن، هوايتهم إحباطك، وقذفك في قعر اليأس، ومحوا ابتسامتك التي تصارع بحر الحياة بأمواجه المتلاطمة من أجل البقاء مرتسمة على شفاهك رغم كل شيء عشته.. ببساطة لأنهم يعانون من تصلب حاد في الأحاسيس، لذا يعجزون حتى عن تخيل قسوة التجارب التي انتصبت بينك وبين طموحاتك كجبل جليدي، ليلقوا بكل اللوم عليك، وكأنك اخترت بمحض إرادتك مرافقة الخيبات والفشل الذريع، و تقدمت بطلب إصدار شهادة وفاة أحلامك لعجزك عن إخراجها إلى حيز الوجود..
أنت الذي تسألني عن أسباب فشلي في إتمام دراستي العليا بعد حصولي على الإجازة، وعدم عثوري على عمل مناسب لمؤهلاتي، جرب أن تنقلب حياتك ثلثمائة وستين درجة، وأن تنهار قصور آمالك فوق رأسك، ويتحول حلمك الوردي إلى كابوس مرعب لا تدري إن كنت ستستيقظ منه يوما أم لا..
أوَ تسخر من روتين حياتي؟ أحيطك علما بأنني اعتدت على رتابتها لأنني أفضل الوحدة ألف مرة على الإلتقاء بشخص مثلك، فالروتين على قسوته أهون بكثير من أسئلتك الجارحة التي لا محل لها من الإعراب..
أتستعذب نكأ جراحاتي العميقة بعد أن كادت تندمل وتنمحي آثارها؟ ثم تسألني عن آلامي الجسدية وعما إذا كنت قد تماثلت للشفاء وأنت تلفت انتباهي إلى أنني فقدت بعض الوزن، وأن ملامحي الشاحبة تدل على مرضي؟ أخبرك بأن الأمراض والآلام الجسدية رغم ضراوتها أرحم أحيانا من الآلام النفسية التي يسببها تدخلك فيما لا يعنيك، وحرصك الشديد على تذكيري بمعاناتي..
ذق طعم الصدمات المر، والغرق في دوامة الصعاب، وعندها، احك لي عن كيفية النجاح في التمتع بحياة رغدة رغم كل شيء..
عش في منفى، بعدما يطردك أحباؤك من حياتهم، واشعر بأنك تحيا فقط لتحيا، وأنك تملك من الحزن، مايكفي بلادا، لتخبرني بإحساسك حينها..
حاول أن تتخيل أنك لا تعرف هل تبقى لك في العمر عُمر، قبل أن تعطيني دليل إرشاد التشبث بالأمل والتمسك بالحلم الغريق..
أتستفسر عن سبب عدم عثوري على فارس أحلامي؟ أغمض عينيك بقوة، وتصور أن حظك تركك في مفترق طرق كبير، عُلقت فيه لافتة كُتب عليها: “كل الطرق تؤدي إلى الخذلان”..
تناول جرعات من مُركز الإحساس، لعلك تشفى من مرضك المستفحل، لتضع نفسك في مكاني..وبعدها، لك كل صلاحيات الحُكم علي.