الرئيسية - المقالات - كيف تحولت مرنيسة المجاهدة إلى بيئة حاضنة للإنحراف؟

كيف تحولت مرنيسة المجاهدة إلى بيئة حاضنة للإنحراف؟

مرنيسة ليست مجرد تجمعات سكنية على مقدمة سلسلة جبال الريف الشامخة، بل إنها حضارة ونضال وتاريخ يروى على مر العقود، إذ عرفت هذه القبيلة بالبسالة والمقاومة الشرسة، بحيث وقفت حجر عثرة للمستعمر الإسباني والفرنسي إبان احتلاله للمغرب، كما أنها تعتبر رمزا للعفة والحشمة والحياء والطهر. عاش مجتمعها محافظا لدينه وقيمه الإسلامية على مر العقود، وساهمت هذه القيم والمبادئ الإنسانية في الحفاظ على عاداة وتقاليد المنطقة وتراثها الأصيل. 
مرنيسة تلك القبيلة الهادئة والمطمئنة بوحدة قاطنيها يخيل إليك فيها على أن جميع من حولك أهلك، الجميع يعرف بعضهم البعض، فهناك علاقات نسب ورحم، يعيشون فى حالة من التكافل والترابط وكأن حياتهم يشكلها دستور مبجل ينصاع له الجميع فى كل شؤون حياتهم فى السراء والضراء، ترى تكافلهم وتماسكهم والتزامهم، تبهرك تلك الحياة عندما يجتمعون حول الموائد فى مواعيد ثابتة لا تتغير أبدا ويحترمها الكبير والصغير، وتسمع صوت الأم أو الجدة تنادي على إبنها ليقوم بالعملية اليومية من تبادل أطباق الطعام مع الجيران وترسل الجارة التى تملك بقرة تحلبها بأكواب من اللبن يوميا للجيران، أو أن تراهم جميعا فى حقل فلان وبعده فى حقل فلان، وحقل آخر يشتغلون فى محبة متناهية، تتعجب من استيقاظهم مبكرا قبل شروق الشمس متحملين برودة الشتاء ووهج الشمس صيفا الذى لفحت وجوههم واشربها سمرته، تعودوا على ذلك الجو وتلك الحياة…

في كتاتيب الدواوير علموا أبناءهم القرآن الكريم قبل أن يأخذوهم الى المدرسة، كانت تجمعهم “لامبة” يلتفون حولها بكل سعادة ينافشون مستجدات الأسبوع .
ضربت القبيلة بأهلها أروع الأمثلة فى التلاحم والتعاون والتكافل والترابط الإجتماعى، تربى الجميع على كرم الأخلاق وحسن الضيافة والقيم وتوقير الكبير والعطف على الصغير. ففي زمان ليس ببعيد كان لمجتمعنا المرنيسي تقاليد وعادات يقتدى بها حيث كانت الأخوة موجودة والمحبة والألفة بين الناس، كل واحد يقاسم أخاه في الشيء وكان الجيران يعيشون كالعائلة الواحدة يسودهم التأخي و حسن النية. إذ كلما اشترى أحدهم طعاما إلا وأهدى جزء منه إلى جيرانه، وكان أحد إذ تكلم في الشيء حرص على كلامه خائفا من الوقوع في الزلائل و الكلام الفاحش، و كان الشاب إذا رأى فتاة إلا وأنزل رأسه في الأرض وقلبه ينبض، وإذا رأى الطفل الصغير الذي لا يعرف في الدنيا الكثير عجوزا منهمكا من الحمل إلا و بادر في مساعدته.
لا يخفى على الجميع _وأهل مرنيسة أدرى بشعبها_ إنتشار وتفشي ظواهر سلبية وعادات سيئة غريبة على مجتمعنا لم نعهدها في أسلافنا، غزت مجتمعنا المرنيسي وبدأ الناس يعتادوها ويتكيفوا معها بصورة غير طبيعية، ففي كل مكان نجد من هذه السلوكيات المستحدثة، ما قد يُسئ لمجتمعنا وديننا وعاداتنا وتقاليدنا، سواء كان هذا التصرف صدر من الشباب أو البنات أو الرجال أو النساء. هذه الظواهر أفرزت جرائم يندى لها الجبين، وانتهاكات جسيمة يستحيي المرء حتى من تصورها.

فقد أصبحنا نلاحظ هذه الأمور واضحة جلية ونتحسر على أنفسنا عندما نقف مكتوفي الأيدي ولا نستطيع تغييرها أو الإشارة إليها. ظواهر سلبية فعلا تحتاج إلى علاج وتظافر الجهود من أجل القضاء عليها..
فقد انتشرت مؤخرًا ظاهرة الاغتصاب أو محاولته ، وأصبحنا نعيش في مجتمع لا يمر به شهر واحد دون وقوع جريمة اغتصاب أو محاولته، بل وأصبح الجميع معرضين له سواء القاصرات و الشابات أو الأطفال، فبين عشية وضحاها تهز جريمة اغتصاب شنيعة الرأي المحلي، ضحاياها أبرياء وبريئات في مقتبل العمر ، وأبطالها وحوش إنسية غاب عنها الضمير وغلبت عليها شهوتها.
كما أصبح الانتحار أو التهديد به من أهم الإشكاليات التي تؤرق المجتمع المرنيسي في الوقت الحالي، خاصة مع تفاقم معدلات البطالة والفقر، وانتشار زراعة الكيف في مناطق متفرقة من المنطقة، وتعددت وسائل وطرق الانتحار، كاستعمال الحبل وتسلق الأشجار أو شرب جرعات السم وكذا رمي أنفسهم في السد، وذلك احتجاجا على أوضاعهم الاجتماعية، أو مكروه نزل بهم ولم يتحملوه.
كما انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة السرقة سواء المنازل والحقول والمواشي أو  المحلات التجارية، وبشكل ملفت للنظر وبأسلوب لم نكن نعرفه من قبل، بل أحيانا في واضحة النهار وأمام مرأى الجميع، حتى أصبح المجتمع لا يستنكر وقوع أي نوع من السرقات كونه اعتاد على سماع مغامرات اللصوص والقصص التي أبطالها غالباً منحرفون سيماهم في وجوههم من أثر الذنوب.

سؤال حقا يدق ناقوس الخطر: إلى أين يا مرنيسة البلدة المحافظة المجاهدة؟

الكاريكاتير: يوسف بخوثة