الرئيسية - إبداع - بَوْحُ إنسان عاجز (خاطرة)

بَوْحُ إنسان عاجز (خاطرة)

 
أسامة بوكرين
 
صديقي النعيم، أحتاجك حقا، يا لهذا الزقاق، ما أتعس هذه المدينة وحتى الوطن، كئيبة هي الحياة هنا، أبحث فيها عن نفسي، لم أجدها، بوح ليلي يدفعني إلى الجنون، أقول أشياء لا أعيها، ولا اأحمل أن أسمعها من الأخرين، الأمور تسير على نحو غريب هنا، الظلام يحيط بالأشياء و الأشلاء والعروق، يا سيدي النعيم، اشتقت لك حقا، نعم اشتقت لك وأنا الذي لم أرك منذ مدة، كل ما يخالجني نحوك هو الحنين .. أ لن أراك ؟ إنني حقا أحتاج إليك، سأهرول نحوك إذا ظهرت حتى و لو بعيدا عني بأميال كثيرة، فملاقاتك تستحق أكثر من الجري والهرولة لساعات وساعات .
 
أيها النعيم، أنا الحالم السابق، لا شيء لدي لأقدمه لك، لكني أشعر بفراغ غريب، و سوداوية قاتلة، قلبي لم يعد ملكي، غارق أنا في أوحال المشاعر الخبيثة المؤذية، لا شيء أخفيه عنك، إنني أعاني، معاناة شخص يفقد نفسه يوما بعد يوم، لا أستطيع تشخيص معاناتي، ولا أن أجد لها حلا، لكن حضورك سيطرد كل شيء سيء يا صديقي، أشعر أحيانا أن روحي لم تعد ملكي، قرأت يوما لصديقة على الفايسبوك قولة ” تملكت نفسي فملكت روحي” حاولت تطبيقها، شعرت بالراحة لمدة، لكني فقدت البوصلة الآن حقا. أنا تائه، حائر، لا شيء يستهويني، حتى الأشياء التي كانت تريحني ما عدت أتحمل أن أحوم حولها، و تلك التي أحبها، حتى هي المسكينة أصبحت عاجزة على مجاراة كآبتي .
 
“يا شيئا من نعيم الدنيا اشتقت لك” لا أعرف صاحبها، قرأتها مرة، فلمست دواخلي، عانقت روحي المظلمة، زادت طينتي بلة، فليس بيد كائن حقير متشوق للفرحة والسرور مثلي إلا أن يتحسس آلامه وهو يقرأ كلمة النعيم، هذا النعيم الغائب عني منذ شهور إن لم أقل سنوات، نعيم لا كالذي يعيشه أولئك الغائصون في بحر المادة المقر ، بل نعيم روحي، داخلي، يبعد عني هذا الطيف الشرير الذي سكن ولم يشأ الخروج، ترجيته مرارا  و تكرارا أن يغادر، لكنه لم يفعل، لم أطلب منه أن يستدعي النعيم على ضمانته، لكني طلبت منه فقط أن يغادر، لكن اللعين لا زال ينهكني .
 
طيف أسود، شوائبه رمادية، نصفه معاناة و آلام و أحاسيس مرهفة، و النصف الأخر فارغ رغم أنه أسود، سواده مذمر، يرعبني، ولا يريد أن يفارقني، يحجب عني أي إحساس جميل، أو شعور دافئ، أو حتى لمسة هواء منعشة تصفع روحي الجامدة، فيا ليته غادر، و ها أنا أعاود مناجاته، و أترجاه صاغرا، يا سيدي من فضلك غادر، فلم يعد في روحي مكان لتنخر، و دع مسلك الهواء، لعل النعيم يجد في ما تبقى مني شيئا يستحق الحياة ليغديه.