الرئيسية - أقلام - الجنس: الواقع والرهان المأمول

الجنس: الواقع والرهان المأمول

عبد الحليم مستور
الإنسان هو ذلك الكل المركب، الذي يشمل ما هو بيولوجي بسماته، وما هو اجتماعي قيمي بأخلاقه وتصرفاته وعاداته وتقاليده، وما هو سيكولوجي باطني، سياسي بمدنيته وحبه للسلطة…إنه كائن بيوثقافي، كائن سوسيواقتصادي… الإنسان في جوانب عدة يتحسس ويتلذذ ببعده الغريزي الجنسي، كمسألة فطرية ربانية، فأعتقد أن ممارستنا للجنس والتمتع به، هو في ذات الوقت تحقيق للمشيئة اﻹلهية، التي جعلتنا على تلك الشاكلة، لهذا بقدر ما نختفي ونتسر وراء المحرم والطابو،  بقدر ما نعمل على دفن ذلك الجانب الابداعي والإنتاجي فينا، أو لنقل قتل تلك الفاعلية الجنسية التي لا يكتمل الإنسان إلا بها، كجزء لا يتجزأ من تركيبته وسمة من سماته الشخصية،  فوضع المرأة في حضن الرجل أو العكس، هو إمتثال لروح القانون الإلهي المحض، هو ضمان لاستمرارية النسل، بل هو رابط للبقاء على الحياة، التي غالبا ما تنم عن الجنس في بعده الطاهر، المكسو بتوابل اجتماعية وقانونية وسياسية وثقافية،  تجمتع بهدف شرعنته وإضفاء طابع المصداقية عليه، فممارسة الجنس وتحقيق اللذة الشبقية والعشقية،  يقتضي منا بالضرورة فهم السلوك الجنسي في مختلف قوالبه، وفي مختلف تجلياته، وأحيانا أخرى في أنساقه، فقدرة المرء على الإمتاع الجنسي، هو مؤشر قوي على الاستقرار، بل والبقاء على الحياة، ومجابهتها، طالما وأن الشرع كما هو معروف شبه المرأة بالحرث،  وحتى يكون المحصول وافر، فيجب على الشخص أن تكون لدية قدرة جنسية فاعلة ونشيطة أيضا. فلا حب خارج إطار الجنس، ولا استقرار بعيدا عن الجنس كقانون إلهي بعثه الله وزرعه فينا حتى نتمكن من تحقيق غاياته النبيلة. 
فاليوم لم يعد الجنس طابو كما كان قديما، بل نحن اليوم مطالبون أكثر من أي  وقت مضى أن نحدد الجنس كمعطى غريزي بيولوجي، وكعرف اجتماعي وثقافي،  لكن يجب أن يوثق ويقنن في إطار شرعي،  لأن في غيابه،  تتلاشى الإنسانية وتعرف نوعا من الاضمحلال والأفول. 
فحفاظنا على الجنس هو في الأصل حفاظ على الحياة وعلى الإنسان كمحرك أساسي ولا غنى عنه، بل كجوهر في هذه الحيا . لا مناص منه، وحتى نرمم المجتمع ونجمع شتاته،  فالأمر يستدعي وقفة تأميلة في شقها الأول، وعملية في شقها الثاني.
والمقصود ها هنا: هو البحث في سبل الرقي بوعي أفراد المجتمع، من الناحية الجمالية وتمنية ذوقهم، و إعادة الإعتبار للأدوار الريادية التي كانت تقوم بها المؤسسات العتيقة، لاسيما الأسرة التي كانت في شكلها القديم ممدة، لها وظائف عدة منها ترسيخ ثقافة الروح الجماعية من خلال احترام ضوابط الشيخ الكبير، الذي توكل إليه مهمة تدبير الشأن الأسري، الالتفاف حول مائدة الأكل، وما يصاحبها من نقاشات وتوزيع للأدوار والمهام، ناهيك عن التربية المشتركة، أي تلك التربية التي يقوم بها الكل. المسألة الثانية تكمن في التضامن الآلي بلغة إميل دوركايم، على أن الأسرة بكاملها تلتف حول الفرد في حالة مرضه، حتى يتسنى له الإحساس بمكانته داخل الكل، وكذلك لكونه عضوا داخل الجماعة. والمسألة الثالثة والـخيرة، هي أن الأسرة كانت تمارس نوعا من الراقبة على الأفراد وتحث على عدم اختلاط الذكور بالأناث. ضمان للعفة والوقار والحشمة، ونفس الأمر يقوم به الفقيه في مؤسسة المسجد كمؤسسة اجتماعية تعنى بالمجال الديني، والزوايا التي كانت تضطلع بأدوار متنوعة ومختلفة، حيث تجمع بين ما هو ديني وسياسي، وثقافي، واجتماعي،واقتصادي حتى.
هذه الأشياء كانت تمثل سلطة اجتماعية تعنى بالتربية في جوهرها، وهنا لا أدعى العودة إلى كل هاته المؤسسات التقليدية، وإنما الاستفادة من طرقها البيداغوجية في التربية، وإن كانت تمارسها بشكل غير معقلن وبطرق لا واعية كما هو الحال بالنسبة للوقت الراهن، ففي قلب هذه القوالب كانت مسألة الجنس حاضرة تارة بشكل واضح ومعلن، وتارة أخرى بشكل خفي ومضمر. فالجنس كان ينظر إليه كهندسة اجتماعية على حد قول الأستاذة فاطمة المرنسي، بمعنى أنه آلية للضبط وكذلك للمتميز بين الإنسان الناضج وغيره، على اعتبار أن الدخول في مؤسسة الزواج، هو دليل على القدرة الجنسية، كوسيلة وأداة لتحقيق الهدف المنشود المتمثل في الإنجاب، خصوصا في ظل سيادة الثقافة الشعبية ” المرأة بلا أولاد مثل الخيمة بلا أوتاد” وهذا التعبير المجازي يخفي وراءه الشيء الكثير انتربولوجيا.
الطرح الثاني -أي الشق المتعلق بالجانب التطبيقي العملي- فهنا ألح على ضرورة رسم معالم ثقافة جنسية بشكل علمي ودقيق، بعيدا عن التضليل الزائف الذي يجعل الشباب في حيرة من أمرهم، فحتى العمليات الجنسية المحمية اليوم، يكمن أن تسبب أمراض تهدد مستقبل الإنسان والانسانية عامة، وبالتالي نحن في حاجة إلى ترسيخ تربية جنسية تتخذ من خصوصيات المجتمع المغربي منطلقا لها، حتى نكون في منأي عن  نسخ تجارب الآخرين، فلا تريية سليمة خارج أنساق المجتمع وبنيته. ولا مجتمع متقدم في ظل غياب سياسة واضحة المعالم ثقافيا،  واجتماعيا وقانونيا…، فسلامة أبناءنا في إقدارهم على فهم أجسادهم بشكل دقيق ومضبوط.