من أنجبَ آدم؟

ذاتَ أضحى خرج أحدهم يحمل شارة صحفي – ظاهريا – بتصريح كون الكبش الذي نزل على سيدنا إبراهيم هو خرافة نزلت من السماء، أزبدت حينها كل مواقع التواصل الاجتماعي فكان لزاما عليه أن يعتذر فاعتذر، اعتذر لأنه وقع في مأزق كلام بلا عقل ولا حكمة موازاة مع تحصيله العلمي، اعتذر لأن مسيرته المهنية ستتعرض لانتكاسات هو في غنى عنها، لهذا فقط اعتذر.

واليوم يخرج رجل آخر يحمل شارة فنان – ظاهريا أيضا – لينعت أب البشرية بما نعتَ، لم يُصرح باسم سيدنا ” آدم ” جهرا لكنه أحالنا على قصة التفاحة وخروجه من الجنة، ولم يكتفي بذلك بل طرح على محاوره وعلينا سؤالا يُطرح في بداية اعتناق الإسلام  بالنسبة لغير المسلم، أو يطرحه طفل ذو الثلاث سنوات لم يتفقه بعد في آيات الذكر الحكيم : ” من أنجب آدم ؟ “.

أزبدت أيضا كل مواقع التواصل الاجتماعي فاضطر إلى أن يعتذر ويتسلح بذريعة وقوعه في فخِّ مُحاوره، ويرمينا بدموع التماسيح، وأن المقصود من كلامه ليس ما تم فهمه، وأن الأمر يتعلق بتصفية حسابات، ولائحة طويلة من الأعذار الأقبح من الزلة نفسها.

لا يهم، بل لا تهمنا اعتذارات مثل هؤلاء، لكن ما يصيبنا بالحزن والهلع هو كوننا أصبحنا نهين المقدسات وندخل في حلقات المس بقواعد الدين الإسلامي ونتكالب على سيرة الأنبياء والمرسلين والنصوص الشرعية تكالب الكلاب، والمقدسات عندنا لم يعد يدور في حلقتها الدين بل المقدسات هي ” الملك والصحراء “، هؤلاء فقط من لا يستطيع أحدهم التطاول عليهما بحرف أو حتى تمتمة.

فذاك الذي قال عن عيد الأضحى ” خرافة ” قضى صغره كاملا يجري فرحا وراء مأمأة الأضحية فما الذي تغير عند الكِبر ؟ ما الذي تغير بعدما تقلد منصبا وأصبح متعلما عالما، أولم يقرأ أن اشد من يخشى الله هم العلماء المتفقهين أم أن اليوم أصبح المتفقه العالم هو السباق إلى الشك في قدرة الله عز وجل وحكمته، وهو الذي أصبح يدخل في غيبيات ومنزهات ليحقق لنفسه شهرة واهية أو انفرادا ذاتيا أو سبقا صحفيا ؟

وهذا الذي نعت سيدنا آدم عليه السلام بكلام لا يليق بحق الأنبياء عليهم السلام درس هو أيضا في مدارس ” المخزن ” وربما درس قبلا في ” المسيد ” ويعلم علم اليقين أن سؤاله تمت الإجابة عنه  فصدق حينها وآمن ببراءة الصغار لكنه شكك اليوم بعقل عاقل، فما الذي تغير أ لأنه أصبح فنانا مسدلا شعره وراءه لكي تنطبع لدينا في الذاكرة ثقافته وتعليمه، لكن هيهات فعندما فتح فاه أصبح مكشوفا من الداخل ونَضَح بِما فيه.

لا يهمنا اعتذارات مثل هؤلاء كما سبق وأشرنا إليه، اعتذاراتهم لا تزيدنا شيئا لكنها تنقص من عقيدتهم أشياء، لأنه أصبح كل من رغب في الطفو على سطح الشهرة والأضواء يتمسكُ بتلابيب الدين، لكن ديننا ليس كبش فداء، ديننا أسمى من أن تنهشه أفواه عقائد متزعزعة، لكن ما يَحُزُّ في الخاطر أن نَشِبّ على دين أحببناه وتمسكنا به لنشِيبَ متزعزعين لا نحن من هؤلاء ولا من هؤلاء.

يحز في الخاطر أن نتطاول على الدين وكأن ليس له رب يحميه، ولا نتطاول على أشخاص من لحم ودم لأننا نخشى بطشهم، إذن فنحن نخاف الزجر والردع والقوانين الوضعية أكثر مما نخشى عيون السماء والقوانين السماوية.

يحز في الخاطر أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كعادتها ترتدي طاقية الإخفاء ولا تظهر إلا عندما ينطق إمام مسجد بكلمة حق، وكأن دورها رابض في المساجد، وتناست أنها الوزارة المكلفة بكل شؤوننا الإسلامية ومن حقها أن تقاضي كل من سولت له نفسه التطاول على الدين الحنيف ونصوصه الشرعية ولو بالخطأ حتى يعتبر القاصي والداني، لكنها لا تحمل هم الشؤون الإسلامية بل تحمل الحقيبة الوزارية فقط.

ويحز في الخاطر أيضا أن تتضامن الجمعيات لضمان حرية العراة والمثليين واللوطيين ومُنتهكي حرمة شهر رمضان ولم نسمع عن جمعية تهتف ” ما تقيسش ديني ” رغم أنها ستكون وصمة عار علينا كمسلمين أمام عيون الغرب لأنه سيتضح جليا أن أعداء الدين الإسلامي والمستهزئين به لم يعودوا الغرب بل أصبحنا نحن هم أعداءه والمستهزئين به.

نقول ” ما تقيسش ديني ” لكل تصريحات الفنانين وأفلامهم المسيئة إليه، ولكل أقلام الصحفيين وريشة الرسامين وحتى لتلك اللحى المنسدلة لأشباه رجال الدين ولفتاوى الغير المتفقهين ولاجتهادات العلماء المشبوهين التي لا اجتهاد فيها ولكل الدعاة الذين يتسترون برداء الدين ويسيئون إليه ولكل الرقاة اللذين يتسولون لقمتهم ويتسترون على كبثهم الجنسي بآيات الذكر الحكيم والى كل الأفكار المعادية، لا تجعلوا الدين ورقتكم الرابحة التي تبسطونها على مائدة أي نقاش للدفاع عن النفس والمصالح أو بغية سرقة الأضواء.

وأخيرا وددتُ أن أقول أننا أصبحنا في زمن حدثنا عنه رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام وقال أنه سيأتي زمان على أمتي القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار.

وودتُ أن أقول لهذا الذي نَضَحَ بما فيه ” من أنجب أمثالكَ ؟ ” لكن حزَّ في خاطري أن يكون من أنجبه فعلا رجل صالح وهو جذعه الأعوج، فيكفيكَ اعوجاجكَ أيها  “الفَتَّانْ “.