الرئيسية - المقالات - مرنيسة يا النوارة خرجوا عليك الشفارة

مرنيسة يا النوارة خرجوا عليك الشفارة

عند الحديث عن مرنيسة لابد من الوقوف طويلاً عند المعارك الشرسة التي سجل فصولها الزمان بمداد من ذهب وتخضبت بدماء المدافعين عنها، وهي مشاهد ومواقف البطولة التي جسدها أهل ذاك الزمان من رجال مرنيسة الأحرار لإيقاف المد الاستعماري الفرنسي والإسپاني الذي اجتاح مقدمة سلسلة جبال الريف  أنداك، بعتادهم (المرنيسيين) البسيط وقوتهم القاهرة للأعداء. فالتاريخ جدير بذكر أهلها  (مرنيسة) بأنهم على جانب كبير من القوة والمناعة، ولا يستطيع أن يقتحم قبيلتهم في ذلك الوقت أي مستبد مهما كانت جيوشه لعلو شأنهم وقوتهم.
لقد عرفت مرنيسة في العقود الأخيرة تراجعا خطيرا في عدد السكان، وخصوصا بجماعة تمضيت التي فقدت حوالي أزيد من 6000 نسمة من عدد سكانها في أقل من أربع سنوات، نتج عن ذلك إغلاق مدرسة تغليسية وتفشي ظاهرة الأقسام المشتركة، حيث أصبح القسم الوحيد يضم أكثر من مستويين، ولا يتجاوز عدد التلاميذ به عشرون تلميذ وتلميذة، وذلك بسبب عوامل الهجرة التي استنزفت المنطقة وحولتها إلى أطلال مهجورة، وقرى خاوية على عروشها. وعوامل الهجرة لديها ما يبررها، فبعد معاناة القبيلة التي لا يمكن عدها ولا حصرها من كل مناحي الحياة، وعلى مستوى جل الميادين والأصعدة، والإفتقار إلى أدنى متطلباتها ،ناهيك عن تقسيم المنطقة إلى أربع جماعات، جلها تفتقر إلى تصور شمولي ومندمج يأخذ بعين الاعتبار أولويات المواطنين وحاجياتهم، هذا التقسيم الذي لم يراعى فيه ذلك الشعار الذي طالما لاكته الألسن كثيرا وصموا به آذاننا وهو “تقريب الإدارة من المواطن” وكذت إفراغ المركز طهر السوق من جل المؤسسات الإدارية والأطر الصحية،  كما هو الشأن للمستشفى الذي تحول إلى مركز صحي خدماته أدنى من المستوصف، مهمته محدودة في التوجيه إلى  المستشفى الإقليمي ومستشفى الحسن الثاني بفاس، أو  بعض الخدمات الصحية البسيطة جدا. التي لا تتعدى الخدمات التمريض: وضع ” الفاصمة والدوا لحم على الجرح”.

 كما تم إلغاء أو مسح  المدرسة الفلاحية من الوجود التي أنجبت عدة كفاءات، والطبيب البيطري الذي إختفى عن المنطقة، لمدة طويلة، وتحويل المحكمة الإبتدائية إلى تاونات، هي إكراهات إستعصى معها العيش هناك على تلك البقعة المنكوبة، فلم يجد هذا المرنيسي المقهور حلا سوى الفرار بنفسه وذويه إلى هوامش المدن القريبة من فاس ومكناس.
مرنيسة بكل أسف تعد من بين أفقر المناطق في المغرب،  بسبب تراكم العديد من المشاكل والإكراهات ، أضف إليها سنوات الجفاف التي أثرت بشكل كبير على الثروة الطبيعية المحلية، والفرشة المائية و انتهاء بلامبالاة المسؤولين محليا وجهويا ومركزيا، وفشلهم الذريع في البحث عن المبادرات التنموية بالمنطقة على مر الحكومات المتعاقبة والمجالس المنتخبة، مما خلق حالة من الإحباط والتذمر لدى ساكنة المنطقة التواقة إلى التنمية في مختلف أبعادها، أسوة بمناطق عديدة من المملكة.

هي تراكمات سنين من التهميش والإقصاء، أدخلت المنطقة في متاهات أمراض اجتماعية ما فتئت تتناسل بشكل مخيف، من بينها الفقر والأمية والبطالة والفساد الإداري والسياسي، وظواهر غريبة على مجتمعنا المرنيسي المحافظ، مع استمرار الأعيان وذوي النفوذ في شد الخناق على المنطقة، باستنزاف خيراتها ونهب ثرواتها مع التفويتات المفبركة وعرقلة أي تأهيل للمنطقة، وإفساد العملية السياسية بتوظيف المال الحرام خلال العملية الإنتخابية، وتربع السفهاء والشلاهبية على المجالس التي استمرت في نهبها للمال العام وتوزيع الغنائم من صفقات مشبوهة، مما زاد الطين بلة وأزّم الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لغالبية السكان المغلوبين على أمرهم، إضافة إلى انعدام الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية، منها قطاع الصحة، حيث يحرم المواطنون من أبسط الخدمات، ناهيك عن وضعية التعليم المزرية، وتدهور المرافق وانعدامها في أغلب المؤسسات والبنايات وبُعد المؤسسات التعليمية عن التلاميذ، وغياب ملاعب القرب وفضاءات  الترفيه تقي الشباب من خطر الإدمان على المخدرات والكحول، والهدر المدرسي والانقطاع المبكِّر عن الدراسة.
فسكان مرنيسة الزاخرة بالثروات التي حباها بها الخالق والخزان المتدفق بالطاقات الحية الواعدة _رغم أن جلها يعيش خارج حدودها الجغرافية_ يتطلعون إلى بزوغ فجر جديد يحمل معه رياح التغيير والتطور التي تحبل بالمشاريع ستساهم في التنمية البشرية و يحذوهم الأمل على الأقل في إصلاح الطريق الرابط بين تاونات وطهرالسوق والذي انتظروه منذ أكثر من 60 سنة.

كاريكاتير: يوسف بخوثة (أرشيف)