الرئيسية - عمود القلم الأسود - جرم - المتاهة الزجاجية للوحدة

المتاهة الزجاجية للوحدة

 
ماذا تعرف عن الوحدة؟
الوحدة هي أن تصل إلى منتصف طريق الأحلام معهم، وفجأة تلتفت ، فتجد الجميع قد انفض من حولك دون سابق إنذار، لتبقى في مفترق طرق الحياة وحيدا، لا تمسك في يديك سوى رفات أحلام، أحلامك التي صرفت كل ما في بنك عمرك من أجل تحقيقها معهم..
الوحدة هي أن تكون جالسا في غرفتك التي تستحيل في الليل إلى زنزانة انفرادية حالكة السواد، قبل أن تقرر تقليب دفاتر تاريخ وجعك، وعلى حين غرة، تغرق في نوبة هستيرية من الضحك، والسبب، كونك تشعر بأن الوحدة قد جعلتك تتخطى ذاك الحاجز المخيف، الفاصل بين العقل والجنون..
الوحدة هي أن تقرر تنظيم حفل ساهر على شرف سذاجتك، وتأخذ مفكرة عناوينك لتدعوهم من أجل الحضور إلى بيتك كي يشاركوك أفراحك، وحينما تفتح بابك لاستقبالهم، تعتقد للوهلة الأولى أنك أخطأت وكتبت في الدعوات التي بعثتها أنك ستقيم حفلة تنكرية، من فرط الأقنعة والثعابين والوحوش الكاسرة، التي فوجئت بها واقفة على عتبة بيتك..
الوحدة هي أن تمسك هاتفك وتشرع في البحث عن أسمائهم في قائمته، علك تتمكن من التحدث معهم والشعور بالراحة النفسية التي لم تعد تدري متى كانت آخر مرة عرفت معناها، وعندما تركب أرقامهم الواحد تلو الآخر، تخبرك رسالة مخزنة في مجيب آلي بارد: “لا يوجد أي مشترك في الرقم الذي تطلبونه..”
الوحدة هي أن تخاطب أشخاصا وهميين اختلقهم خيالك الخصب على ورق علك تستعيض بهم عن أناس حقيقيين أحببتهم حد الجنون، وعذبوك حد الموت، لذا، تطلب اللجوء الأدبي إلى مملكة الخيال، وتبدأ في اختراع أبطال ورقيين والتحكم في مصائرهم والإنتقام منهم، دون أن تدري، أن حياتك بدورها أصبحت من ورق..
الوحدة هي أن تبحث عنهم في كل الأمكنة التي مررت بها معهم من قبل، وأنت متأكد من أنك ستصادفهم في ممرات الذكرى الجميلة، وأنهم سيبتسمون لك قبل أن يأخذوك من يدك بهدف إحياء الماضي واستدراك ما فاتكم من أوقات معا، إلى أن ينقضي وقتك المستقطع من الحلم المستحيل، وتدرك أنك ستظل هناك..وحيدا..
الوحدة هي أن تبذل أقصى ما في جهدك لارضائهم، وتلبية رغباتهم، وتسهيل حياتهم، وتضحي في سبيل تحقيق أحلامهم، وتعبد لهم طريق السعادة بأظافرك، وتهديهم جسرا إلى النجاح شيدته فوق بحيرة دمك ودموعك، إلى أن تصحو يوما، وتجدهم قد عبروا مع آخرين إلى ضفة أخرى تدعى: الخذلان..
الوحدة هي أن تحاول تتبع خطواتهم واقتفاء آثارهم طمعا في أن تعثر عليهم وتزين بهم حياتك الباهتة، وتضيء بنورهم قنديل أيامك المعتمة، وكتحَر خاص، تتبعهم، حتى تفطن إلى أنك قد ضيعت خُطاهم، وأنك دخلت بمحض إرادتك إلى متاهة زجاجية يصعب إيجاد مخرج منها، اسمها: الوحدة..
بربك..لا تسألني عن الوحدة..