الرئيسية - عمود القلم الأسود - المنولوك - تعارفنا لحظة فراقنا

تعارفنا لحظة فراقنا

جاءتني تمشي على حُزن، تَجُرّ تلابيبَ صدمتها، ففي لحظات الخصام الأخيرة من أي علاقة كيفما كان نوعها نُصفع بنقاط ضعفنا، بعيوبنا، بأسرارنا، وبكل اللقطات التي نسينها نحن لكن التقطتها ذاكرة الآخرين.

في اللحظات الأخيرة تجود القرائح بما تربت عليه، تتغنى النفوس بالعيوب، وترقص على جراح ظننا أنها شُفيت لكن رشة الملح التي ينثرونها على قلوبنا توقظ الجروح الدفينة، فماذا كنا لنخسر لو افترقنا بأدب ؟ لما يكون لزاما علينا أن نجرح بعضنا البعض لنتعارف التعارف الحقيقي بدون أقنعة لحظة الفراق؟

تعيش الزوجة مع زوجها أعواما يتشاركان الأيام العجاف والأيام المثمرة، لكن بين حرمات المحكمة يستبيحان كل الحرمات، تنثر عيوب زوجها كحبات قمح ويستبيح هو عرضها كالجيفة وكأنها لم تُنسب إليه يوما، ويبدوان وكأنهما لم يتعارفا إلا خلال هذه اللحظات الأخيرة، أليس من أخلاقيات العشرةة أن يتم الانفصال بهدوء وأن نحفظ للآخر مكانته القديمة في أنفسنا ؟

تعيش العاشقة في حضن الحب مع عشيقها لشهور وربما أعوام، يتواعدان ويتعاهدان، يتخاصمان ويتصالحان، الجميل أن حبا ما قد جمع بين قلبيهما، تعصف بهما لحظة لا تستجيب هي لمطالبه أو لا يستجيب القدر لنواياهما في الاستمرار، انتهى الأمر بكل بساطة فلما تلوك الألسن كل العيوب، وربما بعض العيوب اخترعتها أنانية النفس وعزتها وكرامتها، أما كان من السهل الانسحاب بكل أدب ؟

هنا تذكرتُ مقولة للرائع دوستويفسكي ” ان أفضل لحظة للتعارف في رأيي اللحظة التي تسبق الفراق “ وهذه المقولة كنتُ قد عرجتُ عليها يوما ولم ألقي التحية، ظننتهُ يُهلوس وما أكثر هلوسة المبدعين، بل وما أصدق هلوسة المبدعين.

فكيف تكون لحظة التعارف الحقيقية هي تلك التي تسبق الفراق ربما بدقائق معدودات – هكذا خمنتُ حينها – لكن فعلا بعض العلاقات لا تنتهي حتى يتعارف أطرافها على الوجه الحقيقي بعد تمزق القناع، فتكون النهاية بداية تعارف غير مستحبة تفتك بكل سنوات الوهم.

مؤسف حقا أن نتعثر يوميا بعلاقات الأجانب مع بعضهم البعض لنكتشف الهوة الساحقة التي تفصل بيننا وبينهم، فهم قالما يفترقون على حافة السب والشتم ونشر غسيل العيوب وذمها كما تفعل غالبيتنا، بل تنتهي روابطهم الأسرية أو العاطفية لتبقى العلاقة الإنسانية سامية فوق كل شيء مع ابتسامة عند كل لقاء والتعريف بالمغادر أمام المجتمع على أنه زوج سابق أو حبيب سابق.

 ومؤسف حقا أن الزوج السابق أو الحبيب السابق في مجتمعنا لا يستحق سوى التنكيل لأنه تركنا ولا نعلم أنه في بعض الترك والهجران منفعة لحياة أفضل.

فلنتعاشر بالمعروف أو لنفترق بالمعروف، لنتعاشر مع أسرار أحبتنا ولنفترق على صَوْنِها وكِتمانها لأنها أمانة، لنتعاشر مع عيوبهم ولنحاول إصلاحها ونحن في خضم العلاقة وإلا لنفترق على عدم ذمها وإخراجها للعلن، لنُحِب كل من ربطتنا بهم رابطة إنسانية ولننسحب من حياتهم بكل أدب ولنحفظ للرجوع حقه فقد نعود لبعضنا البعض يوما ما، وهذا كفيل بأن يجعلنا أعزة في عيوننا وفي عيون اللذين غادرونا.