بشحال الحوت؟

  من الطبيعي أن يلاحظ زائر الأسواق الأسبوعية بمنطقة جبالة الاهتمام الكبير للمتسوقين بالسمك، و خصوصا السردين القادم من بحر  الأبيض المتوسط وخليج الحسيمة الذي يمتاز بجودته. و هذا الطلب المتزايد على السردين، حتما يكتشفه المرء حينما يشتري كيلوغراما أو إثنين من باعته، و يقفل راجعا في الممر المؤدي إلى خارج السوق، لا شك أنه سيصادف أعدادا كثيرة من السائلين عن ثمن السردين الذي يحمله، فيجد نفسك مضطرا للاجابة على سؤال الجميع: “بشحال الحوث؟”

  الأسواق الأسبوعية في منطقة جبالة بمثابة موعد أسبوعي للتبضع والالتقاء بين ساكنة المناطق المجاورة للسوق. أول ما يتناهى إلى سمعك كلما اقتربت من السوق هو أصوات الباعة، كل واحد يعرض سلعته جهرا و عبر مكبر الصوت أحيانا. و لا يخلو سوق من أسواق جبالة من باعة السمك، تجدهم بدورهم يصيحون بأعلى صوتهم: ” ها الحووووث… ها الحووووث….”، فيسارع البعض إلى اقتنائه مبكرا و لو بثمن مكلف خوفا من نفاذ المخزون السمكي قبل الآوان. لقد جرت العادة أن يشتري الإنسان الجبلي السردين من السوق الأسبوعي، و لا يمكن تصور نفسه يعود إلى الدار مساء بدون سردين الحسيمة.

يقول بعضهم:” أنا إيلا سوقت وما شريتش الحوت بحال ٱيلا ما تسوقتش” هكذا يفسر جميع ساكنة جبالة العلاقة التي تجمعهم بالسردين، علاقة غذائية مستمرة، لا أستطيع البحث في بداياتها الأولى، لكن سأحاول وصف تمظهرات هذه العادة التي قلما نجدها في بلاد الأطلس أو الشرق مثلا. أحيانا يتم تقريب البضاعة السمكية من زبنائها القاطنين في أعالي الجبال، و ذلك بايصال صناديق السردين عبر وسائل النقل إلى القرى المجاورة للمناطق الشبه الحضرية و بيعها هناك، و تعرف هذه التجارة رواجا مهما خصوصا في موسم جني الزيتون.

    يخرج المواطن الجبلي من المنزل يوم السوق الأسبوعي و كل أمله أن يجد السردين متوفر بكثرة في السوق و بثمن مناسب، و أول ما يسأل عنه الجبلي عندما تطأ قدمه باب السوق هو ثمن السردين، يوجه السؤال المعروف لكل من صادف في طريقه قائلا: “بشحال الحوت؟” يقصد طبعا السردين. مع العلم أنه لن يتخلى عن شرائه مهما كلفه الثمن، و لا يمكن للمشتريات الأخرى بما فيها اللحوم الحمراء أن تعوض السردين، فاقتناء هذا النوع من السمك هو كل شيء بالنسبة له، فلا يقبل أن يعود إلى المنزل مساء  دون أن يكون السردين في قفته ضمن المتطلبات الأخرى، و لا ترضى نفسه بتاتا أن لا تفوح رائحة السردين من مطبخه ليلة السوق كباقي الجيران، بالرغم من ارتفاع ثمن السردين و باقي الأنواع الأخرى من اللحوم البيضاء في السنوات الأخيرة، الشيء الذي يجعل المواطن الجبلي أمام محنة حقيقية و هي ضرورة اقتناء السردين رغم ارتفاع ثمنه، لأن وجود السردين في مطبخ الجبلي و على مائدته مرتبط بوجوده.

  لا يفوت الجبلي فرصة السوق الأسبوعي دون الذهاب الى الخيام المنصوبة جنب بائعي السمك من أجل اقتناء السردين و منحه لصاحب المشواة لإعداد طبق شهي من السمك المشوي، حيث تعرف هذه التجارة رواجا لا مثيل له وتنتعش أكثر صيفا. هكذا يستمتع الجبلي بشواية سمك في خيام منصوبة داخل الأسواق الأسبوعية، في حين أن الأمازيغي و خصوصا ساكنة الأطلس المتوسط الذين يقبلون على اللحم المفروم المشوي(الكفتة) وشرب الشاي المنعنع مفترشين حصيرة وسط خيام معدة خصيصا لذلك.

  ليكن في علم الغرباء عن المنطقة و الغير المنتمين للحزام الجبلي، أنه إذا ما دعاك الجبلي لمأدبة غذاء على شرفه في السوق الأسبوعي، فاعلم مسبقا أن غذاءك معروف و هو طبق شهي من سردين الحسيمة المشوي.