كلنا مقاطعون..

صدقا لم أكن أتوقع أنه تمكنا أخيرا من استيعاب مفهوم المقاطعة الفعلية، وأننا فهمنا أن كل لوبيات الفساد تتقوى علينا من ضعفنا نحن ومن خنوعنا، وأن القوة تكمن فينا نحن الشعب لا في حكوماتنا، ولأول مرة أحسنا في قمة التعقل رغم وصفنا بـ   ” المداويخ “، ولأول أشعر بالفخر أننا وقفنا وقفة رجل واحد وعلى كلمة واحدة.

فطالما أكلتني الغيرة من مواقف الغرب تجاه التعسف في المساس بحقوقهم وبالتطاول على مداخيلهم وجيوبهم، فسد البيض في الأرجنتين عندما طالته الزيادة في السعر، وتوقفت السيارات في ألمانيا عندما ارتفع سعر البنزين، وأقيلت وزيرة السويد عندما استخدمت بطاقة الدولة لأغراضها الشخصية، وهلم جرا من الأمثلة الحية التي نسمع عنها كل يوم، لكننا كنا نحس بنقص العزيمة أو بشيء من الخوف من الكابوس التي يرهب المغاربة وهو ” المخزن “، لكــــن ما دخــــل” المخزن ” إن امتنعت بإرادتك الشخصية عن شراء منتوجات استنزفت جيبك ومعها كرامتك؟ فلن يجبرنا على شراءها بالقوة أو بنص قانوني.

حملة المقاطعة هذه التي بدأت تؤتي أكلها هي المقياس الذي سنقيس عليه المراحل القادمة، حملة المقاطعة الفعلية ستخبرهم أننا إن أردنا سنفلسهم كما أفلسونا، وبالفعل بدأت تؤتي أكلها من خلال تصريحاتهم الخائفة والمترقبة للأسوأ، فعلا نحن ” خونة ” على حد تصريحهم ومقاطعتنا لسلعهم تخدم مصالح شركات أخرى على حسابهم، وهم لا يعلمون أن الشعب لا يعرف كيف يعوم في مثل هذه المستنقعات التي طالما غاصوا فيها، المصلحة الوحيدة التي يبغيها الشعب هي الخروج من عتبة الفقر وعدم استحماره .

وأولئك الذين يحملون مزاميرهم كل صباح ليصدحوا لنا بنماذج من الدول الغربية ويريدوننا أن نتبع نظامهم لنرتقي، فها نحن نتبع نظامهم لنرتقي، فلما مقاطعة الغرب وإضراباتهم حضارة ووعي وأخلاق، ومقاطعتنا وإضراباتنا نحن فتنة وفساد و” لعب الدراري الصغار” ؟

الفتنة لو كانت فعلا نائمة في المغرب لاستيقظت على أيدي لوبيات الفساد منذ زمن فهم من يعبثون بها، لكنها محنطة يوقظونها تبعا لأهوائهم وخدمة لمصالهم ويلصقونها بالمواطن الذي أعيته الزيادات وأعياه الدخل البسيط، أفليس لهذا المواطن أن ينتفض؟ اليوم انتفض بشكل حضاري وسلمي لا مجال فيه للتعارك مع الهروات المخزنية في الشوارع.

فالفتنة أشدها هي أن يحتكروا كل الثروات الطبيعية باسمهم ويبيعونا إياها وكأنها حقهم الشرعي والمشروع وبالثمن الذي يخدم مصالحهم ويستنزف جيوبنا، الفتنة أن يحتكروا كل المجالات وكل القطاعات وأن يبيعوننا الفتات ويطالبوننا بالزيادات، الفتنة التي ابتلينا بها هي جشعهم الذي لا يعترف بوجود الفقر بالمغرب، الفتنة هي ” مول الكراطة ” و ” مول الشكلاط ” و ” مولات 20 درهم ” و ” مولات جوج فرانك” و ” خدام الدولة ”  والقائمة تطول.  

حملة المقاطعة هاته هي أفضل انجاز سيُحتسب للمغاربة وسيعلم من بيدهم زمام الأمور أن هناك أمور من أمورهم زمامها بيد الشعب، وأن يعلموا أننا نحن من يغذي غرورهم وأن خنوعنا وضعفنا هو الذي جعلهم في القمة ونحن في السفح.

فتحية إلى كل طبقات الشعب المغربي التي حملت فكرة ” خليه يريب” وفكرة ” كلنا مقاطعون”، فجميل أن نتضامن لحماية حقوقنا وللدفاع عن جيوبنا وعن كرامتنا وعن عدم استحمارنا، والأجمل أن نرى بضاعاتهم كاسدة متعفنة في جحورهم ليستشعروا الضيق الذي يحس به المواطن المغربي البسيط عندما يصطدم كل صباح بزيادة في منتوج حيوي مهم ولا يملك أمامه أدنى حيلة، لكن الحيلة وُجدت وبشكل حضاري فهلموا إلى المقاطعة بشكل متسلسل.