الرئيسية - عمود القلم الأسود - حتى أنا خليه يريب

حتى أنا خليه يريب

   أداء القسم الذي أطلقه نشطاء فيسبوكيين من أجل مقاطعة حليب سنطرال و ماء سيدي علي وبنزين إفريقيا، لقي تجاوبا كبيرا من طرف رواد العالم الأزرق، و هذا ٱن دل فإنما يدل على النية الجادة في محاربة كل أشكال الاستغلال التي تنهجها الشركات الرأسمالية التي تستنزف جيوب المواطنين. نداء المقاطعة كانت قناة تيلي ماروك سباقة إلى بثه عبر نشرتها الإخبارية بعدما استشعرت بأهمية الموضوع، هذا يعني أن ” الميساج وصل “.

  واهم من يظن أن كلام الفيسبوك  يبقى رهين جدرانه، و أنه لا يحدث التغيير، فصوت الفيسبوكيين وصل إلى قناة تيلي ماروك التي بثته ضمن نشرتها الإخبارية بعدما استشعرت بجدية النداء، و كان لها السبق في بث الخبر، عكس القنوات المغربية الأخرى التي كانت تبث معظم أخبارها مكررة. وتعدى صوت الجماهير الفيسبوكية الحدود الجغرافية للمغرب ليبث في قنوات دولية، كما اجتاح كل المواقع الالكترونية والجرائد الورقية، وأصبح حديث الناس في اجتماعاتهم و تجمعاتهم. يعني أن فكرة المقاطعة نزلت من برجها الافتراضي إلى أرض الواقع. ولهذا أصبح من المفروض على الشركات الراسمالية التي تستغل المواطن وتفرغ جيبه أن تعي جيدا أن مستوى الوعي بالأوضاع العامة في المغرب بدأ ينضج ليتخذ منحى تصاعدي، وعي شعبي تبلور يعبر عن الرفض نتيجة ارتفاع الأسعار و ضعف القدرة الشرائية للمواطن وتفشي ظاهرة البطالة.   

  بالرغم من انتمائي إلى الطبقة الشعبية الفقيرة التي لا تشرب حليب سنطرال، ولا ماء سيدي علي أو غيره من المياه المعدنية المعلبة، ولا تملك سيارات تستهلك بنزين ٱفريقيا، إلا أنني أبدي إعجابا كبيرا بفكرة مقاطعة المنتوجات ذات الأسعار المكلفة، وأعلن تضامني المطلق مع المقاطعين، وأنا المقاطع أصلا ما دمت أشرب ماء العيون الجارية، ولا أشرب المياه المعلبة، و أشرب حليب البقرة الطبيعي، لا يعجبني سنطرال أو غيره من المعلبات الحليبية. أعول على رجلاي في قطع المسافات ما دمت لا أملك سيارة حتى أحس بغلاء أسعار البنزين، و لكني أسمع شكايات السائقين وهم يعرضون معاناتهم مع الزيادات المتكررة في هذه المادة الحيوية.

فكرة المقاطعة جاءت كفكرة بديلة للاحتجاجات الشعبية على أرض الواقع، والتي لم يكتب لها تحقيق ما تصبو إليه الجماهير، فالمقاطعة للمنتوجات التي تعرف زيادات صاروخية في الأسعار هي طريقة حضارية للاحتجاج و مضمونة المفعول، وتعطي أكلها كل حين، فعلى المواطنين المتضررين إشهار هذه الورقة -المقاطعة- في وجه المنتوج الذي يصعب اقتناؤه من طرف عموم الشعب.

المقاطعة ورقة ضغط ثمينة على الأقل يسلم المرء من المضايقات التي يتعرض لها أثناء الاحتجاج في الساحة، والمقاطعة أقوى من المظاهرة لأنها تخلف أضرار اقتصادية كبيرة وتنجي أيضا من هروات رجال الأمن.

  هنا أستحضر مقاطعة الشعب الهولندي للسجائر ٱثر الزيادة الطفيفة التي قامت بها الشركة الهولندية لانتاج التبغ قبل سنوات، فقام كل مواطن هولندي كرجل واحد بمقاطعة السجائر وذلك برمي علب السجائر في الشارع العام احتجاجا على الزيادة في سعر التبغ، فاستجابت الشركة لمطلبهم فورا و دون أن يتفوه أي مسؤول بكلام قد يجرح مشاعر المواطنين الهولنديين. في حين نجد في المغرب كثيرون اعتبروا حملة المقاطعة ضرب من الجنون، لدرجة أن بوسعيد شحذ لسانه ووصف المقاطعين بــ “المداويخ”، وهذا نموذج من وزراء وصلوا ٱلى كرسي القرار على ظهر المواطن، وأصبحوا يدافعون عن هذه الشركات الجشعة ويصفون المقاطعين بأبخس النعوت.

أكثر من هذا استغرب الرأي العام حين أعلن بعض الاعلاميين والسياسيين أنهم ضد المقاطعة، والأغرب أن بعض المواطنين البسطاء اعتبروا المقاطعة سوى تخاريف فيسبوكية، وهذا ما لمسته قبل يوم من مواطن اشترى اربع علب من حليب سنطرال، حيث همست في أذنه و قلت له: بأن الشعب كامل ينهج سياسة المقاطعة و أنت تشتري المنتوج المقاطع، ابتسم و قال بسخرية: “شمن مقاطعة هي”.

  على ٱثر ارتفاع الأسعار في المغرب للمنتوجات الغذائية وصعوبة تحمل المواطن البسيط لهذه الزيادات المتتالية فلم يبقى له إلا استحضار و مناقشة أطروحة المقاطعة وإشهارها كسيف في وجه الشركات الجشعة.