الرئيسية - عمود القلم الأسود - جرم - أن تستمر رغما عنك..

أن تستمر رغما عنك..

كم يلزمني أن أستمر في إراقة حبر دمي والكتابة بماء مُقلي من أجل من لا يستحق ولا يستوعب أبدا أن كل رسائلي المشفرة موجهة إليه؟

كم يلزمني أن أستمر في تمجيدهم، وتلمعيهم، وترميمهم، من أجل الكذب على نفسي وعلى الآخرين وادعاء أن المحبة لا تزال أبوابها مفتوحة في قلوبهم؟
كم يلزمني أن أستمر في تدنيس بياض أوراقي، وإغراق دفاتري بالكتابات العاطفية، وإهدار عمر أقلامي، في سبيل تخليد بطل لا زلت أكتبه فقط لأنه ليس لدي بديل آخر؟
كم يلزمني أن أستمر في اللجوء إلى مساحيق تجميل الخيبة، ومستحضرات إخفاء هالات الحزن، من أجل تلبية دعواتهم إلى الفرح، والرقص معهم على إيقاع الخذلان؟
كم يلزمني أن أستمر في اغتيال الزهور اليانعة، وتمزيق أوراقها الواحدة تلو الأخرى، من أجل أن أتيقن من أنهم لم ولن يشعروا تجاهي بأي شعور عدا الكره؟
كم يلزمني أن أستمر في ارتداء قناع القوة والتحدي، والتظاهر بأنني محاربة أسطورية لا تنزع درع المقاومة أبدا، من أجل أن أثبت لهم أنني رغم ضرباتهم القاتلة، لا زلت على قيد الحياة؟
كم يلزمني أن أستمر في ممارسة لعبة الخسارة، والترحيب بالخسارات التي تأتي تباعا على طاولة الحياة، فقط لأؤكد لهم أنني سيدة الخسارات بامتياز؟
كم يلزمني أن أستمر في رسم ابتسامة اصطناعية على وجهي المتعب، وتمثيل دور الفتاة التي لا تفارقها الابتسامة في ذروة تعاستها، من أجل كسب تحدي الصمود في وجه الحزن؟
كم يلزمني أن أستمر في مقابلتهم، والتكلم معهم بطريقة طبيعية، والتصرف كأن شيئا لم يكن، من أجل أن أبرهن لهم أنها حتى الجثت التي أرداها الغدر قتيلة، بوسعها أن تستمر في التحدث؟
كم يلزمني أن أستمر في عرض أشجاني العاطفية وتصدعاتي الروحية في مزاد الإحساس الانساني، الذي لم يعد يقبل على زيارته أحد، في زمن اختفاء الأحاسيس البشرية؟
كم يلزمني أن أستمر في اخفاء انتكاساتي وأزماتي وعللي القلبية، والاستعانة بالتمويه الأدبي والخيال الابداعي الذي لا يمت للواقع بأدنى صلة، من أجل ادعاء أن قلبي المحترق لم يكف عن النبض؟
كم يلزمني أن أستمر في مبادلتهم الكره حبا، والشر خيرا، والإساءة إحسانا، والأنانية إيثارا، من أجل أن أبين لهم أن وضعي في محمية الكائنات الساذجة المهددة بالانقراض، هو ما أستحقه فعلا؟
كم يلزمني أن أستمر في محاولة إخفاء رائحة خياناتهم المقززة بالاستعانة بمعطرات الوفاء، فقط لأوضح لهم أنني رغم خياناتهم المتكررة، لا زلت متشبثة بالوفاء- الاستثناء؟
كم يلزمني أن أستمر في مقاومة اغراءات الانتقام من كل من دمرني، والتمسك بالعفو عنهم، ومطالبة قلبي بالتماس الأعذار لهم، من أجل تمتيعهم بظروف التخفيف؟
كم يلزمني أن أستمر في التعايش بطريقة عادية مع أحقر البشر، رغما عني؟