أفشوا السـلام..

بنايات جميلة لها ألف باب وقفل، يحرسها أحدهم يسألك من أين أتيت؟ ومن تبغي؟ تشعر أنك في زيارة لسجين وليست زيارة رحم.

شققها كعلب الرسائل مُقفلة لا تعلم ما بداخلها ولا من بداخلها، صمت يخنق ممراتهم كصمت القبور، تسمع فقط صوت المفاتيح وهي تعانق أقفالها عند المغيب.

في أفراحهم تدخل الفرحة إلى بيت الفرح فقط، وفي جنائزهم يُفتح باب ويغلق آخر، تعزية باردة جافة لا تواسي القلوب ولا تعرف عن الفقيد سوى جنسه، مبدأهم في حق الجوار عدم إفشاء السلام لينعموا بــــ ” التيقار “.

لكن ثقافتي البسيطة لم تستوعب ” تيقارهم “، خطواتي التي كانت تركض في حينا البسيط وبين بيوت جيراننا لم تستوعب ذلك، الأبواب التي كانت مفتوحة في وجهنا لم تستوعب ذلك، وأيضا التحيات الصباحية والمسائية التي كانت تُلقى على الصغير قبل الكبير نبرتها مازالت ترن في أذني، فعن أي ” تيقار ” يتحدثون ؟

” التيقار” هو أن أوقرك وأحترم خصوصيتك، لكن أسال عنك إن غبت، وأهنئك إن فرحت، وأعودك إن مرضت، وأمشي في جنازتك مُترحما، فجنائزنا باتت اليوم فارغة من خطوات جيران كانت تفوق بل تسبق خطوات الأهل.

فنحن أيضا كنا نوقر جيراننا، لكننا لم نكن نختبئ إن سمعنا وقع خطواتهم  في البناية حتى لا نلقي التحية، لم نكن نقفل دونهم الأبواب حتى أيام الأعياد، كنا نحفظ للجار العورات الثلاث أو الأوقات الثلاث التي تعلمناها من القرآن الكريم ومن توصيات الوالدين، لا نقرب جارا، ولا نفتح بابا إلا بعد أن يُؤذن لنا، وفي الأوقات المباحة شرعا، لكن ما دون ذلك كنا إخوة متحابين، في أفراحنا هم أولّ الحاضرِين وآخر المُغادرِين، وفي أحزاننا هم أول المُواسِين وآخر المُواسين.

كنتُ أسمع كبارنا سنا يقولون ” الجار قبل الدار “، أي أنهم كانوا ينتقون الجار والجار الجنب قبل سكنهم، لكن هذا المبدأ لم يعد ساري المفعول، فمن يبحث اليوم عن الجار أو يسأل عنه وعن أخلاقه وسيرته؟ فآخر همنا هو أن نبحث عمن يجاورنا، بل نفرح عندما نجد بابه مقفلا ليل نهار حتى ننعم بالسلام.

لكن ما السبب؟ هذا هو التساؤل الذي يجب طرحــــــه،   أ السبب هو أننا لكثرة مشاغلنا ومشاكلنا أصبحنا نهوى السكون ونهرب من ضجيج الجيران وحتى ذوينا؟ أ السبب هو تصرفات بعض بعض الجيران اللذين يحشرون أنفسهم بين ثنايا حياتنا اليومية ليستعرضوها في جلسات نميمة؟ أ السبب هو توصيات الأقرباء بإغلاق باب الجار الذي يأتيك منه نفحات رياح عاتية ؟

توصيات اليوم هي نقيض توصيات الأمس، وهي نقيض توصية الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، تغيرت الأحوال لدرجة أنه عندما قرأت قول الرسول الكريم: ” أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”، علمتُ أن رابط الحب انفصم عندما خنقنا التحية تحت ضغط عبوسنا.

فعلا مذ رُفِع السلام من على شفاهنا غادر قلوبنا الحب وأصبح الجار ” ذنب ” يستوجب ” التيقار” ليُمْحَى من صحيفتنا !