الرئيسية - عمود القلم الأسود - كرهتونا في بلادنا

كرهتونا في بلادنا

هي مقولة خرجت من حلق التليمذ إبراهيم بن منصور وهو يكابر ويجاهد نفسه جراء العاهة المستديمة التي سببها له رجال القوات المساعدة بأمر من سيدهم القائد ببني مكادة في طنجة. هي قولة تلخص كل شيء على لسان شاب كان مفعما بالحياة وينظر للمستقبل بعين آملة وحالمة. هي رسالته الأخيرة  الواضحة وهو يستطيع الكلام بعدما أخرصه أمر القائد إلى الأبد…

وما أقسى الحكمة حين تأتي من أفواه الصغار، وأقساها أن تكون أيضا من فم كان بالأمس سليما وغدا بفعلة فاعل عليلا لا يقوى على الحركة والكلام.. وأمثال أبراهيم بن منصور عدة في هذا البلد السعيد، فجبروت المسؤول قد وصل موصله ولم يعد الأمر يحتمل، فأن تكون مسؤولا  في الإدارة الترابية لا يعني أن تتعدى حدود مسؤوليتك في رعاية المواطنين، ولا يحق لك أن تتخد قرارا ليس هو من اختصاصك. وأن تكون قائدا أو باشا أو عامل الإقليم أو وليا للأمن أو الجهة، فلا يعني أن تعاقب بسلطتك من تريد، وعلى النحو الذي تريد، فالمخول بالعقاب هو القضاء الذي يملك من الآليات والنصوص ما يسمح له باتخاذ القرار المناسب في الشخص والمناسب. ولكن بما أن البلد وصلت مرحلة متقدمة من “السيبة” فكان لكم ما تريدون، تقتلون وتعطبون وتشردون وتغتصبون وتطحنون وتضحكون على الأجساد المشوهة في مجالسكم النتنة دون حسيب أو رقيب، وحتى دعوات الأمهات المكلومات لم تجدي نفعا، فلا البرهان بان فيكم، ولا الهداية.

إن عصر العبودية قد ولى، ولم يعد مبررا لسلوكاتكم القذرة هاته،وإن كنتم تفقهون القانون – وانتم خريجو كليكات الحقوق بالوطن السعيد- فالدستور الذي صوت عليه المغاربة مكرهين حبا في استقرار البلد وحبا في الملك،  ينص (الدستور) على عدم انتهاك السلامة الجسدية للمواطن المغربي تحت أية  ذريعة أو ظرفية، لكن بما أن النصوص شيء والواقع شيء آخر تعلمتموه في تكوينكم السري داخل داهاليز وزارة الداخلية، فأنتم تعملون وفق هوى الذي علمكم أن المواطن رخيص إلى حد كبير جدا،  الحد الذي نراه اليوم في شوارعنا الممزقة كتمزق أوردتنا تحسرا على أبناء الشعب والوطن. فتبا لكم وتبا للعهد الذي تصنعوه.

ففي الزمن القريب طحن محسن فكري داخل شاحنة للنفايات وأجج نار الاحتقان بالحسيمة، أفرزت حراكا اجتماعيا استمر قرابة العام وتم التعامل معه بالمقاربة الأمنية بعدما تركتم الحلول الموضوعية للأمر الدافع للاحتجاج وتصيدتم هفوات وأخطاء النشطاء الغيورين على البلد ورميتم رجالا من خيرة أبناء الوطن في الدفاع عنه داخل زنازين فردية ينكل بهم الحراس والمحققون. بعده صفعت مي فتيحة من طرف مسؤول في الإدارة الترابية لأنها تبيع الخبز في الشارع العام، وبسبب الحكرة أحرقت نفسها احتجاجا على هذا الزمن البئيس،  فارتفعت روحها إلى السماء،وارتفع داخلنا ضغط الدم الذي ينذر بالهيجان الأكبر. بعدها أيضا دهس تلميذ جرادة بعجلات سيارات الأمن لأنه وجد في المكان الخطأ حسب بلاغ المسؤولين في هذه الإدارة الترابية، فالاحتجاج ممنوع إلا بإذن من المسؤول حسب نص البلاغ الذي أمر بدهس التلميذ، وبعدها وبعدها ولا نعرف على من سيأتي الدور في القريب العاجل بنصوص يكتبها مختصون في فهم القانون من ثغراته؟

إن البلاد تعيش ردة حقوقية في الآونة الأخيرة، وقد تغوّل المسؤول الأمني بالبلاد منذ ربيع المغرب  سنه 2011 ودخول البلد مرحلة الاحتقان الإجتماعي الذي انتجته سياسة حكومات فاشلة متعاقبة، وأخرها حكومة بنكيران التي فتحت أبواب الجحيم على مصرعيها، فبات المواطن بين مطرقة الحكومة التي تزيد في كل شيء وتضعف من قدرته الشرائية، وتتغاضى عن الفساد المستشري في كل المؤسسات والمجالات وتنام معه كعاهرة الشوارع في محلاته المتفرقة، وبين مسؤولي الإدارة الترابية الذين يطبقون قانونهم خارج مؤسسات الحكومة، فغدا المغرب يمشي برأسين في إتجاهين مختلفين. وهذا لا يمكن أن ينتج إلا “السيبة” التي نراها اليوم منتشرة في كل ربوع المملكة، والكل يريد أن يحتمي في رمز من رموز الفساد بالبلاد التي غدونا نكره أن نعيش تحت إمرة المعتوهين والجبابرة والطواغيت. فأن يكسر قائد بسيط مكلف بشؤون الرعية ضلوعك ويعطل وضيفة أعصابك، فهذا لا يمكن أن يكون إلا عصرالجمر والرصاص بصيغته الجديدة.