الرئيسية - عمود القلم الأسود - فراشٌ وحيدٌ لامرأتين

فراشٌ وحيدٌ لامرأتين

لا يهنأ للمرأة العيشُ مع أمِّ الرجل وأخواتِه، وبالأحرى أن يهنأ لها عيشٌ مع ضُرَّةٍ!
إنها تلْقى عنتاً كبيراً في العيش مع نساءٍ يُقاسمْنَها الطعامَ والمَسْكنَ والأعياد والحفلات والمناسبات، أما إذا قاسمتْها امرأةٌ أخرى الزوج نفسَه فإنَّ كل عفاريت الدنيا والآخرة تركبُ نفْسَها، وتجعلُها تتحالفُ مع الشيطان، وتكيدُ لِضُرَّتها ولزوجها معاً، وحتى أزواج الأنبياء لم يسلمن من هذه العفاريت بوجود ضرائر معهن…!
“سارة” زوجُ النبيِّ “إبراهيم” عليه السلام، لم يطبْ لها العيشُ في مكانٍ واحدٍ، بعد أن تزوج “إبراهيم” “هاجَر”، وبعد أن ولدت له “إسماعيل” قبل أن تلد هي “إسحاق” بخاصَّةٍ، فلم يجد النبي “إبراهيم” مناصاً من أن يذهب بهاجر وبابنها إلى وادٍ غير ذي زرعٍ…
وأقوى دافع لكل هذا هو اكتواءُ الزوجة الأولى (وغالبا ما تكون الزوجة الأولى) بنارِ الغيرة نحو الزوجة الجديدة.. وللجديدة سحر وفتنةٌ لا يخفى عنها، وتشعرُ بأثرِهما أقوى شعورٍ في الليل أكثر من النهار، وفي الفِراشِ أضعافاً مضاعفةً!
في قصَّةٍ بديعةٍ كتبَها “خالد عميرة”، وتمَّ نشْرُها في مجلة (إبداع) العدد مارس- أبريل 2018، عنوانها (فراشٌ وحيدٌ لامرأتين)، نقرأ حكايةً عجيبَةً لامرأتين مات عنهما زوْجُهما، وترك لهما ميراثاً، هو دارٌ من طابقين، «تقطن بالطابق السفلي الحاجة عديلة، بينما استأثرت بالعلوي ضرتها، البنت نعيمة الشهاوي، تلك التي تزوجها الحاجُ على كِبَرٍ في ظروف غامضة…».
انقضت العدة، وجاء يوم تقسيم الميراث، واكتشفت المرأتان أن الحاجَّ قسَّم ثروتَه بينهما على صراطٍ من العدالة لا يهتزُّ، كل شيء بالتساوي…
«تمَّت القسمةُ وارتضاها الجميعُ…».. لكن، الحاجة عديلة طلبت «أن يتم تقسيمُ أثاث الطابقين، وهذا ما غفل عنه المرحومُ، فليس من العدل – من وجهة نظرها – أن تحظى امرأة بأثاث حديث فاخر، بينما يتبقَّى للأخرى فِراشٌ وخزانة وملابس ومقعدان، أصابتهم الشيخوخة والتَّهالُك والمرض.. مثل صاحبتهم».
هكذا قالت الحاجة عديلة لمن حضَرَ القِسْمَةَ، مما ينبئ عمَّا أسرَّت في أعماقِها من شعورٍ بالقهر والإحساس بالنقص، وربما جُحود المرحوم، إذْ لم يُراعِ «أيام الفقر والحرمان التي عاشتْها معه الحاجة عديلة، كما أنها حفظتْه من أن ينزلق لإلقاء أمواله في حِجْرِ الصبيَّةِ التي دلَّلتْهُ في أخريات أيامه».
وعلَّلَت هذا الطلب أنها لا ترضى لزوجها المرْحوم أن يُحاسَبَ على ظُلْمٍ اقترفه دون قصْدٍ، فهي تبحث عن راحةِ زوْجها في قبره!
بعد سجالٍ وجدالٍ واحتجاجٍ لم يجدْ اللذان حضرا القسمةَ بديلاً عن الاستجابة للحاجة عديلة، «حصرا أثاثَ الطابقين، قسما كل شيء بين المرأتين بالعدل قدْرَ الطاقة، وبالتراضي في أغلب الأحيان».
هل انتهت القسمةُ؟
لا.. فالحاجة عديلة، قالت للحاضرين إنها غيرُ راضيةٍ!
لماذا يا حاجة؟
بقي السَّريرُ…!
وجَمَ الجميعُ.. هاجت نعيمة.. سبَّتْ ضرَّتها.. اقترحَ الحاضرون كلَّ الحلول، لكن الحاجة عديلة أصرَّتْ أن يأتي نجَّارٌ «ليشُقَّ السريرَ بينها وبين نعيمة نصفين».
جاء النجارُ، وأنجز المهمَّةَ… «ثم أطلقت الحاجة عديلة زغرودةً مدويَّةً»… فقد أراحت زوْجها في قبره، وهو الذي لم يُرِحْها في فِراشِها!
(فراش وحيدٌ لامرأتين) قصة جميلة.