الرئيسية - إبداع - خواطر وشعر - أعتذر إليك حبيبتي … (خاطرة)

أعتذر إليك حبيبتي … (خاطرة)

آه، كم هي لعنة القدر قاسية، و كم هي قسمة الطبيعة قاسية، و كم هي عداوة الحظ قاسية، و كم هي نظرة الآخرين قاسية، و كم هي رأفة الحبيب قاسية، و كم هي دقائق الليل قاسية، في زمن أصبح فيه الموت طلبا استثنائيا، و الحق حلما استثنائي، و الحب نقمة استثنائية، و الكتابة جريمة استثنائية، و اللقاء بك محطة قاسية تكاد  تكون استثنائية، و احتمال بقائي على قيد الحياة مسألة استثنائية…

ها أنا يا حبيبتي على رصيف الحلم أقف تائها أراقب من بعيد، أحتسي قهوتي كما كل صباح و سيجارة دخانها يخنق الأنفاس، أحاول التعريف بنفسي أمام العابرين خلف زنزانتي الانفرادية، حيث أقيم منذ سنوات الطفولة المغتصبة بعدما فكرت إنني خلقت للحياة ومن أجل الحياة، فاتهمت بارتكابه جريمة قتل النفس بغير حق.

و يوم مثولي أمام القاضي أدانني الحاضرون قبل أن ينطق القاضي بالحكم، فحرَمت من الدفاع عن نفسي  وقبلت  بالزنزانة المتماثلة إلى حد بعيد مع عزلتي التي لا شفاء منها. و مع توالي الأيام  بدأ الشيب يكسي رأسي، بعدما طعنت بقسوة في أكثر مراكزي الحساسة، ففقدت الآمل في استعادة زماني المفقود داخل زنزانة يملأها الغبشُ.

ها أنا لا أعلم بأن شهادة وفاتي كتبت منذ ندد الكل بموتي، و هجرتني كل الأماكن  يوم خانتني الذاكرة في استرجاعها، و سممني الحظ بسم قاتل، و اغتالني الشوق قبل أن يغتالني الوطن الذي قذفت فيه مصادفة وربما خطأ كما أعتقد. إنني  تائه معزول أبحث عن جدار يملا فراغاتي الشاسعة وأتجاوز محنة الشوق الهاربة، بعدما مزقني الشوق سيدتي، و اغتالتني عيونك يوم لم أستطع التقاط إشاراتك سيدتي.. أعتذر إليك سيدتي باسم كل الشعراء و باسم كل المجانين من زوربا حتى فان غوخ..

لم يكن الليل عندي مختلفا عن النهار وكأن مظاهر الطبيعة اتحدت فأنتجت سجنا بغيضا يُكْرهني في الخلو بنفسي خارج الزمن معتنقا خنجر الماضي و رصاص الحاضر وألغام المستقبل ووهم اللغة وعداوة الحروف وسجن الإحساس وجنون الحب، و خيانة الكلمات…

ها أنا  اعتدت أن آتي  متأخرا  بعد منتصف الليل هاربا من قدري، مواصلا شوقي لفتاتي التي لم تولد بعد من أمها التي اخترق حبي لها الزمان والمكان، فأصبحت أراها في الريح في الشتاء في النور وفي الظلمة، هائما عاشقا يهفو قلبي لملامسة شفتيها وإيقاف الحرائق المشتعلة بداخلي بعدما عجزت كل الوحدات الإطفائية عن إخمادها.

أنا هو الرجل الذي خسر بعضا من ملامحه، و تعطل الجزء الأيمن من  قلبه، وفقد جسده قوته التي كان يمتلكها في الزمن المنسحب، أيام كان يأمره جنونه بالرقص والتحليق عاليا كطائر النسر،  و اليوم اجمع الأطباء على أن علامات الموت بدت واضحة، بعدما تحول مخي من ثقل ما وقع عليه و ما تحمل، إلى مجرد إسفنج يابس، لا ماء فيه و لا روح، لا حياة و لا موت..

 قريبا قد ينطفئ كل شيء و تسرق لطخات الظلمة مساحة نوري، بعدما كنتُ قد بدأت كل شيء في حياتي بحرقة قاسية جرفت معها سيول من الشجن، و قد يبدأ كل شيء في حياتي كما بدأ أول مرة، و تشتعل كل شموع الكون، و تبدأ الحياة معك أنت سيدتي ….

بقلم مراد العلالي