اصمتوا

جواد الكبيبة

لقد جاء دوري لأكتب ما اعتدت أن أكتبه كل أسبوع في عمود القلم الأسود، والله لم أجد ما أكتب ولم أعثر على موضوع يليق بي ويتماشى مع أفكاري المبعثرة، غير هذا الخريف الذي بعثر غيره من الفصول، فكل شيء يحدث بشكل دوري، ومن سنة الحياة أن ينقلب الخريف شتاء والشتاء ربيعا والربيع صيفا، وهكذا دواليك وهلما جرا.
لكن هذه المرة على خلاف ما اعتدنا عليه، لم ينقلب خريفنا شتاء لكي يفتح المجال لحلول الربيع، فقد خيم علينا الخريف، وتراكمت علينا مخلفاته، وحط الصمت، فمرضت الأذن وجن العقل وسرنا إلى الوراء عسى أن نعيد دورتنا السنوية وننعم بالربيع الذي خيم عند جيراننا، هكذا أصبح الخريف ملازما لنا، ليس لدينا القدرة على التخلص منه، حيث اكتسحنا بركامه، ولم يعد أمامنا خيار غير عيش الخريف وقبول الاستثناء.
لقد رحلت عنا اللقالق وعششت فيما بيننا الخفافيش، الذي تحب الظلام وما نحن بعاشقيه، فقد سارت حياتنا خريفا، تساقطت معه سائر أوراقنا، وأصبحنا الشخصية المحورية في” فيلم الصمت” هذا الذي أصبح ايديولوجيتنا المعتادة. لقد حرم علينا الكلام فسمعنا وأطعنا ومن يجرئ على الكلام فسوف يعاقب تماشيا مع قانون الصمت الذي صوتنا عليه بالإجماع وما نحن مرتدون. لهذا فلا عجب إذا وجدنا بعض الأشخاص يكسرون الصمت بإخماد النار في ذواتهم تفاديا لقانون الصمت الذي يقهر.
لكن للأسف الشديد لم نصب بالخجل ولم نحاول التخلص من مرض النسيان، الذي فرض علينا الصمت المطبق، حيث صار الإنساني فينا ينام يستيقظ في صمت لا يعتريه كلام، لكن لماذا سنتكلم ونحن المحظوظون الذي أنعم علينا الله بخريفه الأبدي، على أقله أبعد عنا برد الشتاء القارس ونسيم الربيع الرطب، وجحيم خريفنا خير من بطش جحافلنا.
هكذا فقد تجاوزنا كل الثنائيات التي تربينا عليها، وبقينا بين ألف قوس وقوس غارقين في ثنائية جديدة ليست بالمهمة عند غيرنا من الشعوب، ألا وهي ثنائية ‘الصمت والكلام’، وقد أصابتنا حمى الصمت المطبق الذي يصاحبه أنين غير مبرر، ناتجة عن ممارستنا الشاذة لصمتنا, بمعنى أننا لا نتكلم إلا لأنفسنا نستأنس بأنيننا، تلك هي عظمتنا التي تميزنا على غيرنا.

تعليقات

  1. ربما لقنونا الصمت منذ نعومة اضافرنا. هكذا اصبحت الكلمة سجن مقفل الابواب عنا لكننا ابينا وعما قريب سوف نزيل عنا هذا اللباس و نرتدي لباس الكلمة, التي ستشعل لهيب قلوبنا و نسقط من اشعل النيران في اجساد مواطنينا,