الرئيسية - إبداع - كتاب: دروب مورسيا الضيقة (31)

كتاب: دروب مورسيا الضيقة (31)

يوميات شخص يسكن حلمه

وجهين لعملة واحدة

 

 يناير يا يناير وكل شيء فيك يا يناير.. 

البرد يلسع الأجساد ورياح “الميسطرال” الجنوبي الجنوني تعبث بمحتويات المدينة،  ، فالمسرحية في عز أحداثها، والكل  المجتمع الفرنسي منشغل ومتسائل أين وصلت الأمور؟ فالملثمان لا زال مخبئان في المطبعة ويحتزان الرهائن بها، كل الناس مشدوهة إلى شاهات والتلفاز، وتطالع الصحف التي تغطت بالسواد، وتدعو إلى الوحدة الوطنية لمواجهة الخطر الآتي، وكذا تدعو إلى مظاهرات ووقفات تندد بالعمل الإجرامي، كما أن باريس تتأهب لأكبر مسيرة ضد الإرهاب يوم الأحد المقبل يشارك فيها كل زعماء العالم. 

اليوم يوم الجمعة، كل جلسائي في “بار ميشل” و”مقهى TOP19 ” تخلفوا عن صلاة الجمعة اليوم. وهو الذين لا شغل لهم إلا المسعادات الاجتماعية والصلاة في وقتها والجلوس في المقهي يتجادلون في أمور عدة، لكنهم اليوم يتخلفون عن الصلاة الذي قال فيها الله سبحان: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ”.

قصدت خالد وأنا مار إلى المسجد الوحيد بالمدينة وقلت له: هيابنا خالد، همهم بكلمات غير مفهومة معتذرا ..تابعت سيرى حيث مسجد المدينة أصلي فيه صلاة الجمعة مع الجماعة. كل شيء في الطريق كان يوحي بأن هناك شيء على غير العادة، ففي مدخل الزقاق الذي يحوي المسجد يوجد شرطيان من الأمن الوطني الفرنسي، وفي المدخل المقابل هناك شرطيان مماثلان أعينهم على كل صغيرة وكبيرة، يبتسمون انتسامة غير التي نعهدها فيهم وهم يقومون بعملهم الروتيني داخل المدينة.

الحركة قليلة جدا اتجاه المكان، دخلت المجسد فوجدته على غير عادته، يكاد يكون فارغا، إلا من بعض الناس الذي يخطب فيهم إمام وكله حسرة، ينبذ العمل الإرهابي تارة، ويبرئ ذمة الإسلام منه تارة أخرى، ويذكرنا بأخلاق المسلم المؤمن الذي لا يؤذي جاره ولا نفسه، ويدعو لفرنسا بالأمن والآمان…

مرت صلاة الجمعة سريعة على غير عادته، لحظة التسليم قام أحد  المسؤولين عن المسجد من الصف الأمامي يأمر المصلين بالتفرق وعدم الوقوف أمام باب المسجد في جماعات وتكلتلات تقديرا لدقة الموقف والموقع، في حين احشتد من كان على اتفاق مسبق ليمروا فرادى على  أن يلتقوا أمام باب مقاطعة المدينة لتقديم التعازي لرئيسها ونبذ العملية ككل. عند خروجنا من المسجد نسعى بيوتنا والدخول في أنفسنا والإسراع في الخطى كما أمرنا المسؤول، وجدنا فيلقا كبيرا من الشرطة الوطنية والبلدية أمام المسجد لتأمين خروجنا ومنع كل تجمع قد يخل بالسلم الأمن العام، ففرنسا دخلت مباشرة بعد الحادث الإجرامي حالة الطوارئ القصوى، ودون أن ينبس أحدهم بكلمة أمر أو اعتراض أو ابتسامة.. تفرق الجمع دون أي شيء يذكر، فالكل كان يعلم دقة الموقف الذي تمر به البلاد. فالمجرمان لازالا فارين بالشمال الفرنسي يحتجزان رهائن داخل المطبعة ويهددا سلامتهم وسلامة البلاد.

إن حضور الشرطة غير المعتاد لصلاة الجمعة بمدبنة Cavaillon كان وجهين لعملة واحدة اسمها الخوف، فرجال الأمن الأربعة الذين كانوا يتقابلان في مدخلي الزقاق الحاضن للمسجد بداية دخول المصلين فرادى، كان مخافة الهجوم على المسجد ومنع أي عملية تسلل لأي متطرف محتمل قد يعتدي بشكل من الأشكال على المصلين والمسجد، خاصة وأن المدينة تعرف نسبة كبيرة من مناصري اليمين المتطرف الذي يعلو صوته هذه الأيام. أما فيق الشرطة الوطنية مدعومة بالشرطة البلدية الذي انتصب على مقربة من باب المسجد كان مخافة من أن تندلع مظاهرة معادية للدولة، خاصة وأن العملية تضرب في عمق الإسلام ومشاعرهم. وهي لا تدري كيف ستتطور الأمور في هذا الوقت الحساس جدا؟

لأول مرةحضر صلاة بهذا الهاجس الأمني، ولأول مرة أعرف أن المرء يمكن أن يتخلى عن صلاته مخافة طارئ ما، ومخافة شيء مجهول بداخلنا، فالذين كانوا يتزاحمون على الصفوف الأمامية من المسجد الصغير هذا، فضلوا المكوث في منازلهم أو في كراسي المقاهي المتفرقة على أن يذهبوا إلى صلاة جمعة لا يعرفون كيف ستبدأ وكيف وأين ستنتهي؟

يتبع…

فرنسا بدأت فعلا حملتها المسعور التي كانت تنتظر الضوء الأخضر لبدايتها، وهاهي العملية الأخيرة تعطيها هذا الضوء لتبدأ عملية البحث والتنقيب والترحيل لكل متطرف محتمل يهدد سلامة أمنها ومواطينها، وأصبحت بالتالي عملية التحرك عند كل مهاجر نظامي كان ام غير نظامي عملية محسوبة ومحفوفة بالمخاطر، بالأمس فقط تم اعتقال شخصين أعرفهما جيدا وتم اقتيادهما في حالة اعتقال إلى مركز ايواء المهاجرين غير الشرعين تمهيدا لترحيلهما لبلدانهما الأصلية، واحد تونسي ابن محارب حارب من أجل فرنسا في حربها ضد الألمان، قضى قرابة 28 سنة بلا أوراق ثبوتية أو هوية بهذه البلاد، تم اعتقاله وهو راجع إلى حيث يقطن مع مهاجرين آخرين، سيرحل حتما إلى تونس. أما الشخص الآخر فهم مغربي ابن الدار البيضاء، اصطادته الصقور  وسط المدينة، مواطن مغربي هو الآخر بلا أوراق هوية، بضعة أيام في المركز ويرحل إلى البلد…

ساد جو من الترقب وسط كل الذين أعرفهم، لا أعرف ولا يعرفون من الآتي وكيف ستكون الضربة، كل الوسائل متاحة الآن أمام الدولة لتحكم قبضتها على الأمن، وأول ما يهدد سلامتها كما تقول بعض الأحزاب المتطرفة هم المهاجرين وأبناء المهاجرين…