الرئيسية - أقلام - الوجه الآخر للمساجد…

الوجه الآخر للمساجد…

يستدعي اليوم أن نطرح بعض الأسئلة عن ما الهدف وراء اهتمام النظام المغربي بالمساجد و الفقهاء؟ لماذا يتزايد عدد المساجد بشكل سريع على خلاف المدارس و دور الأيتام و المؤسسات الثقافية؟ أهذا مرده إلى المرجعية الدينية للمجتمع المغربي آم أن الأمر يعود لغرض في نفس يعقوب؟

لكل نظام سياسي عبر التاريخ أدواته و قنواته التي يشتغل بها في المجتمع، و التي عن طريقها يصرف خطابه و إيديولوجياته و مرجعياته بدعم من الهيئة العليا المتمثلة في الدستور. فإذا كانت القنوات الرسمية  شكلت سلطة يمارس عن طريها النظام التأثير في الوعي الجمعي من خلال إنتاج ثقافة جديدة تخدم الهدف الذي ينشده النظام و المتمثل في السيطرة و الهيمنة اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا و فكريا على المجتمع، فأن الدور الذي أصبح يقوم به المسجد في واقعنا الراهن لا يختلف عن ما تقوم به القنوات الرسمية من تزييف للحقيقة و ترويج للمصالح الامبيريالية التي يخدمها النظام المغربي في أخر المطاف.

لم تكن المساجد يوما ما أماكن للعبادة فقط، فمنذ أن افتتح الرسول(ص) أول مسجد في المدينة بعد الهجرة بدأ المسجد إلى جانب كونه مكانا للصلاة و العبادة، كان كذلك مكانا لإدارة شؤون الدولة، حيث فيه كانت تتم الاجتماعات السياسية، و منه كانت تخرج الأحكام و الدساتير التي تنظم المجتمع، بالإضافة إلى كونه مكانا للتعلم و القراءة (ما عرف في مجتمعنا بالمسيد)، كان مكانا لتعليم إيديولوجيات معينة تخدم جهات في حد ذاتها سواء الجماعات الإسلامية أو النظام الحاكم الذي يرى في المساجد إمكانية التأثير في المجتمع عن طريق خطاب الموعظة و النهي و قبول الواقع كما هو استنادا على نص ديني يجد قبوله لدى الجماعة .

و هذا لم يأتي صدفة، و إنما جاء بعد مسار طويل من الخطابات و الدراسات و الأبحاث التي تقوم بها الدولة من أجل بسط هيمنتها على المواطنين، و تخديرهم بالخطاب الديني، بعدما تأكد أن الكائن المغربي كائن عاطفي بامتياز، كائن ما زال يؤمن بسلطة الفقيه باعتباره صوت الله في الأرض، و ما يقوله هو الحق و لا شيء غير الحق، فمن عارض الفقيه و كأنه قد أشرك بالله، و لهذا نجد في خطبة الجمعة يحرم الكلام و مساءلة الفقيه بين الخطبتين.

يحضرني هنا قول للمفكر جمال الدين الأفغاني عندما قال ما دخلت السياسة في شيء إلا أفسدته. فهي اليوم قد اقتحمت المساجد بشكل مفزع على خلاف ما كانت عليه في السابق، فدنستها و حولتها إلى أبواق للدعاية الرسمية، و إلى مجرد  دكاكين لتدجين إرادة الناس وتعطيل إمكانيات الوعي بحقائق الأشياء وعرقلة عجلة النهوض للتغيير والبناء، حتى أصبح المغربي اليوم لا يميز بين خطاب زعيم حزبي وخطاب فقيه فوق المنبر ، ورجال الدين الذي وكلت إليهم مأمورية إلقاء الدروس الدينية/السياسية بالمساجد في شهر رمضان و باقي المناسبات التي تعرف حضور قوي للناس بالمساجد، و لهذا يسعى النظام السياسي إلى بسط سيطرته على المؤسسات الدينية، و توظيف مؤسسة العلماء نظرا لتأثير العالم وعلاقته التوجيهية التي تربطه بشكل مباشر  بعموم الشعب.

 هذه الهيمنة هي التي تتأكد انطلاقا من كون الرابطة المحمدية لعلماء المغرب وجمعية علماء خريجي دار الحديث الحسنية و غيرها من المؤسسات الدينية التي ترتبط بشكل مباشر بالدولة وتعبر عن وجهة نظرها، فإن النظام المغربي  يسعى إلى استغلال الفهم التقليدي لنصوص شرعية تؤيد الطاعة غير المشروطة وتصبغ عليها طابع الفريضة الدينية، و هو ما كان الفيلسوف الألماني كانط  في سياق القرن الثامن عشر قد تنبه إليه في كتابه “صراع الكليات” عندما رفض أن تكون كلية اللاهوت في أعلى الهرم الجامعي لما لها من تأثير على عموم الشعب، من خلال خدمتها لمصالح الدولة  و تزييف الحقيقة .

اليوم، وحتى لا تدخل في دائرة العصيان أمام النظام السياسي المغربي، تم تدجين المساجد و المؤسسات الدينية وجعلها تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، كل ذلك بهدف الحفاظ على التبعية ودفع العلماء والفقهاء بين ألاف الأقواس، من خلال خطب الأعياد و المناسبات إلى الحث على الطاعة والسكوت و تقبل الواقع مهما كان قاسيا بدعوى أن الله يكافئ الضعفاء و الفقراء يوم القيامة بالجنة، و إلى تبرير غير مباشر لاحتكار السلطة ومركزة التسيير بشكل استبدادي ينافي جوهر الدولة الحديثة القائمة على الحرية و الاستقلالية و الديمقراطية التي تتبجح بها الدولة المغربية في الإعلام الرسمي واللقاءات و المؤتمرات الدولية .

ختاما نحن لسنا في حاجة اليوم إلى مساجد، نحن في حاجة إلى مدارس يتعلم فيها أبناء الوطن قيم جديدة، مبادئ جديدة تتماشى و حرية الاعتقاد و استقلالية التفكير و مبدأ المساواة و فصل الدين عن الدولة، نحن في حاجة إلى دور أيتام تأوي آلاف الأطفال المتخلى عنهم في الشوارع يموتون في صمت كل يوم، نحن في حاجة إلى مؤسسات ثقافية تمنح لشباب الوطن فرصة للإبداع و استثمار المجهود الشخصي في الرقي بالذات و تحقيق  الاستقلالية المادية و المعنوية، نحن في حاجة اليوم إلى مؤسسات للاستثمار و تشغيل أبناء الوطن الذين يتربصون يوميا أمام البرلمان طالبين بحقهم في الوظيفة بعدما شابت رؤوسهم  في الجامعات و المعاهد طلبا للعلم و المعرفة، نحن في حاجة إلى جمعيات تعيد الاعتبار للأشخاص الذين في وضعية صعبة من اجل إدماجهم في المجتمع و وقف نزيف الانتحار في صفوفهم، نحن في حاجة إلى ثقافة  الاعتذار و المسؤولية و المحاسبة و الشفافية  و الكفاءة من أجل بناء وطن يأوي أبناءه اليوم و غدا.