الرئيسية - عمود القلم الأسود - كاظم “الساقط”

كاظم “الساقط”

منذُ أن أَلْفيْتُهُ سادَ ساحة الغناء والطرب والتَّرف والتلحين والحُكْم على المواهب، ولقَّبه من لقَّبَه بالقيصر، ويغنّْي قصائد “نزار قباني” على نفس الوزن واللحن والإيقاع والصوت والصورة، واتخذ قراره أن لا يمنح ألْحانه لغيره، ويحتفظ بها لنفسه فقط، يؤديها وكأنه يؤدي ألحان السماء، وهو وحده المُنْشِدُ الساحرُ لهذه الألحان، والعذارى وغير العذارى يتهافتْنَ عليه، ويحُمْنَ حوله كما تحوم الفراشات حول النار، كنتُ أردِّدُ بين نفسي وبيني قائلاً:
ـ يا للحظِّ الأحمق!..ويا للدنيا الغريبة!.. ويا للفنِّ العَجيب!..
فها هو مطربٌ لا يملكُ صوتاً عذْباً كما ينبغي.. وملحِّنٌ لا يقدرُ على التنوع في ألحانه.. وفنَّانٌ لا يبصرُ في الدنيا غير الموسيقى، ولا يقرأ إلاَّ أشعار “نزار قباني” وصديقٍ له اسمه “كريم العراقي”… وعلى الرغم من ذلك ظفرَ بالشهرة والمجد والثراء ظفْراً كثيراً، وصار في إمبراطورية الفنِّ قيْصراً، وملكَ من الحظِّ السعيدِ ما لم يملكه خيرٌ منه، ونالَ منَ العزَّةِ ما لمْ ينلْهُ عباقرةٌ سواهُ في الغناء والتلحين!
ورحْتُ أشكُّ في نفسي، وفي ذوقي، وفي ثقافتي الموسيقية، وقلتُ ربما أجهلُ وهؤلاء الذين يهتفون باسمه، ويحملون صوره، ويحضرون حفلاته، ويحرصون على ألبوماته، يعلمون ما لا أعلمُ.
وحاولتُ أن أستمع إلى أغنياته، فوجدتُها كلَّها على بَعْضِها متشابهةً، وأن لا فرق بين التي يغنيها باللهجة العراقية أو الخليجية أو المصرية أو العربية الفصحى، ولشهادة الحقِّ أغنيته (أنا وليلى) هي أجودُ ما غنَّى، وكانت فلْتَةً، وكان فيها مُمْتازاً. أما أغلب أغنياته فبقليلٍ من التَّحقيق نكتشف أنها على نفس المنوال.
ومع ذلك فهو محظوظٌ، وفتحت له الدنيا أبواب الشهرة على مصراعيْها، وصارت تخدعُ المعجبين به والمعجبات، وتخدعُه نفْسُهُ عن نفسِهِ نفْسِه؛ حيثُ أبَى أن يخضع لعامل السِّنِّ، وهو يستميتُ أنْ (يعدِّلَ عمْرَه من سبع سنوات إلى خمس سنوات) كما جاء في أغنية (قاضي البلاج) لعبد الحليم حافظ!
ومنْ كان عنيداً مع الزمن، وخائناً لعمره، وماكراً في الفنِّ، لاشكَّ أنه ليس على خلُقٍ، فلا غرابة بعد ذلك أن ينسى ماضيه، ويذوبَ أصلُه تحت أضواء الشهرة كما كانت تذوبُ المثلجاتُ التي كان يبيعُها أيام فقره تحت شمس العراق، ثم يتطاول على الخلْقِ، ويهونون عنده، ويتجرَّأ عليهم أكثر، فيشيرُ إليهم بأصبعه إشارةً وقحةً، فيكشف بذلك عن وجْهه الحقيقي، ومعْدِنه الرَّخيص، ووزنه القليل.
والإشارةُ بالإشارةِ تُذْكرُ فإنَّ أستاذنا القديرَ الدكتور “ميمون مسلك” أنشأ سجعيَّةً بديعةً، تحدَّث فيها عن إشارة القيصر، وقد سماها (سجعية الوسطى)، وهي سجعية جديرة بالقراءة، أما إشارة القيصر فهي جديرة بالقيء على صاحبِها.