سجل يا تاريخ…

لا اعتقد ان هناك عبارة تختصر أوجاع المغاربة هذا الأسبوع الذي وصف بالأسود، وقيل عنه أنه زمن عودة سنوات الرصاص التي عاشها المغرب في فترة السبعينيات و الثمانينيات من القرن الماضي، و التي  كان قد ذهب ضحيتها شباب و نساء و رجال هذا الوطن بعدما خرجوا إلى الشارع يطالبون بمطالب اجتماعية، ويقولون لا لسياسة جوع كلبك يتبعك. إلا أن النظام المغربي اختار سياسة القمع مع هذه الاحتجاجات، و استعمل فيها الرصاص الحي  وسقط آلاف الشهداء ليدخل بذلك المخزن الى القائمة السوداء في انتهاك حقوق الانسان. و بعد زمن اقر فيه النظام المغربي بجرائمه و انشأت هياة الانصاف و المصالحة من أجل طي سجل الماضي الاسود، و اعتبر المغاربة ان وطنهم دخل مرحلة جديدة ، الا ان يوم الثلاثاء 26  يونيو 2018  سيحيي الذاكرة الريفية خصوصا و المغربية عموما من جديد، مؤكدا أن اطروحة المصالحة مجرد لافتة يتباهى بها في المحافل الحقوقية الدولية. بعدما أقدم القضاء المغربي على اصدار احكام جائرة  في حق نشطاء حراك الريف و التي وصلت في مجملها إلى ثلاث قرون من السجن.

  مرة أخرى، يفصح النظام المغربي الفاشي عن طبيعته الوحشية و الهمجية  في التعاطي مع مطالب الشعب البسيطة،  مقدما منطق الانتقام و الكراهية على حساب منطق الحكمة و العقل، و منطق القطيعة بدل منطق المصالحة، و منطق المغرب الأقصى الذي يتسع للجميع إلى مغرب أقسى لا يتسع للجميع. فلماذا اذن؟ لماذا كل هذه الأحكام ؟وهل وراء هذه الأحكام رسالة إلى الشعب المغربي؟ وهل يستدعي الامر التعاطي مع من يطالب بحقه بالسجن لا غير؟ وهل المسألة تدخل في خانة فساد القضاء ام هي مسألة حسابية مع الريف والتأكيد على عدم المصالحة؟ من يخرج الان اطروحة الانفصال النظام الذي يغتصب براءة هؤلاء الشباب ام شباب اعلنوا وطنيتهم وكافحوا من اجل الوطن على نهج اجدادهم؟ كيف للمغربي ان يفتخر بوطنيته في الوقت الذي يقتل الوطن ابناءه؟ لماذا لم يحتكم النظام المغربي إلى صوت الحكمة والعقل بدل صوت الجلاد ؟لماذا يتعاطى النظام المغربي مع الحراك الشعبي بأسلوب القمع والترهيب و الإعتقال والتعذيب بدل الحوار و الاستماع والاستجابة للمطالب الاجتماعية التي ستنهي الازمة؟

حقا،لقد أكد المخزن اليوم أن شعار المغرب الجديد الذي يتسع للجميع، مغرب الديموقراطية وحقوق الإنسان، مغرب الحريات العامة… مجرد أسطوانة فارغة من المعنى،وهو ما أكده الكثير من المحللين السياسيين الدوليين بعدما أصدرت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء مساء الثلاثاء سادس وعشرون يونيو ألفان وثمانية عشر أحكاما قاسية وجائرة في حق الزفزافي و رفاقه، الذين لم ينهبوا مال الدولة كما فعل الكثير من الوزراء الذين ضبطوا في حالة فساد مالي كافأتهم الدولة بمناصب جديدة تحت مقولة عفى الله عما سلف، ومقربون من القصر استحوذوا على أراضي الفقراء باسم القصر، و برلمانيون لا يتركون يوما يمر دون استغلال مناصبهم للاستحواذ على ممتلكات الضعفاء وتفويت الصفقات فيما بينهم، وتوظيف أبنائهم و عائلاتهم وراء الستار دون مباريات ضربا في مبدأ تكافئ الفرص بين أبناء الوطن، ورجال أعمال محسوبين على الدولة يستنزفون القدرة الشرائية عند المواطنين، و الكثير من الأسماء  كشف عنها مجلس جطو و لم تتابع ابدا في قضية فساد بقدر ما أنهم لا يزالون مستمرون في فسادهم و نهبهم لخيرات الوطن دون حسيب أو رقيب، بينما حكم ناصر الزفزافي و رفاقك الذين خرجوا إلى الشارع يطالبون بمستشفى و جامعة و معامل لتشغيل أبناء المنطقة العاطلين بثلاث قرون من السجن

فل يسجل التاريخ مرة أخرى وليست بالأخيرة، أن وطني حقا لا يتسع للجميع، لا يقبل بنزلاء يرفضون الفساد و ويفضحون المفسدين، لا يقبل بأبنائه الذين يرغبون بوطن أفضل تسوده العدالة الاجتماعية و يتساوى فيه أبناءه دون تمييز بين الصحراوي و الريفي و الأمازيغي والعربي… وطن حنون يتعامل بمنطق الحكمة بدل منطق السوط والجلاد، وطن لا يشعرنا بالغربة بداخله وينسينا الماضي الأليم، وطن لا يترك فرصة لأبنائه للتفكير في الهجرة السرية واختيار قارب الموت بدل قارب الحياة، وطن نحدث أبناءنا عنه لا وطن يقتل فينا فكرة إنجاب أطفال ليعيشوا غد هذا الوطن.