الرئيسية - أقلام - المقاطعة دعوة للانتقال من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية المباشرة (الأسباب والمخاطر)

المقاطعة دعوة للانتقال من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية المباشرة (الأسباب والمخاطر)

عبد الحفيظ تمايلت

ما معنى مقاطع؟ لما هناك وعي ما عند الإنسان المغربي بالمقاطعة؟ما الدافع خلف هذا الحراك الذي بدأ صامت وقد ينتهي قاتلا؟ ما سبب تفكير الإنسان المغربي  في شكل جديد من أشكال التغيير؟

قد تطرح هذه الأسئلة في الشارع وتجد أراء متباينة، قد يقول قائل لقد مللنا الغلاء؟، وقد يجيب أخر بأن الأمر ناجم عن احتكار شرذمة / طائفة من الناس على الاقتصاد الوطني؟ وقد يقول أخر إن الأمر له صلة بالسياسة التي قال عنها السياسي الإيطالي (ماكيافيلي) إنها مكر وخداع تستخدمه القوى السياسية لقلب انتباه الشعب عن المشاكل الداخلية؟ وقد يقول البعض إن الأمر لا ينفك أن يكون سوى صراع إيديولوجي بين الأحزاب فيدفع ثمنه رؤساء شركات يمثلون أحزاب معينة فيتم إضعافهم اقتصاديا للهيمنة عليهم سياسيا؟،…الخ.

تبدو الأجوبة بديهية وسهلة ومختلفة بحسب درجة الوعي لدى الناظر للمسألة، وتختلف زوايا النظر باختلاف المرجعية والمصلحة لذلك نجد البعض يجاهر ويفتخر بدعمه للمقاطعة ويصف من يشتري تلك المواد أو يتصرف فيها بخائن الشعب.

لكن على الضفة الأخرى نجد آخرين يقرون بأن المقاطعون هم بلطجية وشرذمة خائنة للوطن لأنها تقتل شركات تنمي    الوطن وتضخ الرساميل لكي ترفع أسهم شركات أجنبية تنخر دماء الوطن وخيراته، إن المسالة أصبحت تتضارب فيها الآراء حد التخوين لذلك تجد عبارات كثيرة تحمل في طياتها الكثير من المعاني ( خليه يريب، أنا ماشي مسخوط الشعب…) في الضفة الأخرى (خونة للوطن، مداويخ، الحليب الطبيعي قد يسبب السل…).

إن هذه الرؤية تبدو سطحية وبديهية لهذا التحول العميق الذي يطال بنية التفكير الإنساني، لأن هذه المقاطعة من الصعب إستعاب حيثياتها وتعقيداتها بعيدا عن جدلية السلطة، من يحكم ؟ ومن يسيطر؟ ومن يدير دهاليز الإقتصاد الوطني؟ …

لقد قيل يوما : “إن من يحمل التاج لا ينعم بالراحة” ذلك ما قاله شكسبير عن القادة، والقادة الجيدون، لا يبحثون عن الشهرة والسيطرة بل يعملون على توطيد المصلحة العامة، وتحسين ظروف الرخاء للشعب، لكن في الآونة الأخيرة وصل عبر العالم مجموعة من القادة الشعبيين للسلطة، مما تسبب في سعيهم للشعبية إلى إيصال عقلية الرعاع إلى السلطة مما نتج عنه اضطهاد الأقلية والأغلبية معا ، كما أنه تم استخدام بعض الوسائل الدنيئة في سبيل تحصيل هذه الشعبية الزائفة، مما دفعهم لاتخاذ قرارات ضد شعوبهم، وتكبيل الشعب بترسانة من القوانين المجحفة والظالمة، وهذا  خلق تفاوت طبقي رهيب ومخيف قد يصل في يوم من الأيام حد الاستعباد، وهذا ما جعل الناس يعملون على مساءلة الأساس الذي  أقيم عليه هذا التسيير (الديمقراطي) الذي أصبح ينهب باسمه هؤلاء، وهو في الحقيقة  مساءلة للعقد الاجتماعي الذي بنيت عليه الديمقراطية بين القادة (سواء اقتصاديين أو سياسيين)، والشعب.

إن الديمقراطية تتأسس على مساهمة الفرد في المجتمع وعدم إيذاء الآخرين وسوف تبقى الحكومة/ السلطة بعيدة عنه تبحث له عن سبل الرخاء، لكن مع هذه الهوة السحيقة التي حدثت مؤخرا أصبح من الصعب الاستفادة من الديمقراطية رغم قيامك كمواطن بما تتطلبه منك الأسس التعاقدية، مما يضطر معه البعض إلى إظهار ميولات مختلفة لا تساير الطرح الديمقراطي (المقاطعة مثلا)، وهذا يجعل القائمين على السلطة وذوي النفوذ يقومون برفض هذه الميولات الرافضة، ( مداويخ، فتنة، خائن…)، لكن هذا المنحى المضاد يبين بالملموس الخروج الواضح عن مرتكزات التعاقد الاجتماعي الذي جاءت بفضله الدولة الحديثة/ الديمقراطية،  والذي يقوم في مرتكزه على الثقة، لكن السياسي الذي يعمل على تطوير مصلحته الخاصة يخون هذه الثقة، ويصير مسيطرا على منابيع الرخاء في البلد ويتحكم في الأسعار، بمعنى من المعاني إنه سعي دؤوب في السيطرة وامتلاك السلطة.

فعندما تسلب السلطة الناس، ويفقد الإنسان حريته في الاستقرار الغذائي ويلاحظ تراجع منابع الرخاء عنده، فإنه يقع أمام خيارين:

1 – إما القبول بذلك

2 – وإما النضال والرفض

لذلك لكي نجعل ديمقراطيتنا فعالة؟، وأن نجعلها تمثلنا حقا؟ علينا أن نخرج الهيمنة المالية من المعادلة؟ ونعيد للشعب حرية الاختيار أمام تساوي وتعدد الأثمنة، وتجفيف ينابيع السيطرة المطلقة، فأمام هذه الهيمنة انفجرت ينابيع الرفض والمقاطعة. لكن انحرافا مزلزلا في موازين القوة قد بدأ فعلا، من خلال انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يعني أنه بإمكان الجميع التعبير عن رأيهم في أي وقت يريدون، وبالتالي هل ستجعل التكنولوجيا القادة أكثر مسؤولية؟ أم ستجعلهم معارضين للشعب وسيرمى بهم في مزبلة التاريخ؟

إن الفساد والقمع والاستبداد، كل ذلك يسرق حقوق الناس في المجتمع، لكن الأنتيرنيت/ ووسائل التواصل الاجتماعي منحتهم وسائل جديدة ليتم سماعهم، لأنه حينما يحتكر القادة ورؤساء الأحزاب السلطة، هل تمكن التكنولوجيا الشعب من استعادتها؟.

إن التكنولوجيا وسيلة فعالة لكي نعرف من خلالها من نكون؟ ومع من نحن؟ وماذا نريد؟ بمعنى قد نصير بفضلها أكثر ذكاء، وهذا سينعكس على التنظيم، بمعنى قد نصير يوما ما أكثر تنظيما، لكن الجانب المظلم في هذا التحول هو أن ما يحض  بالاهتمام على الانترنيت، هو كل شيء يصير شعبيا ومنتشرا أكثر، دون تقصي الحقائق والتأكد من دقتها، لكن المثير للريبة هو أن الناس أصبحت تعرف وتبدع في الأمور التي تثير الاهتمام، وبالتالي انتشار كثرة الأخبار الزائفة و نسبة مشاهدتها تضرب في صميم انتقال السلطة إلى الشعب والانتقال الديمقراطي، لكن هذا ليس معناه إتهام وسائل التكنولوجيا في الانحراف لأن هذه الأخيرة ليست سيئة ولا إيجابية بل هي وسيلة تسهل على الناس الوصول إلى ما يريدون، لكن هذا المنحى الجديد الذي تبشرنا به الوسائل التكنولوجية، قد يغير قانون اللعبة السياسية بحيث يصبح أمر النواب والمستشارين، في خبر كان ويصبح الشعب يصوت على الأمور بشكل مباشر ويدلي برأيه في القضايا المجتمعية، لكن الديمقراطية المباشرة مليئة بالمخاطر، لماذا؟. لأن ما نراه اليوم هو قدرة الجميع على امتلاك صوت على الأقل، وهذا في كثير من الحالات ذو سلطة قوية، لكن هذه السلطة التي تتحول إلى نضال إليكتروني لا يكون دائما إيجابيا، بل قد يكون مدمرا، لأن حركات التغيير في العالم سواء كانت يمينة أو يسارية لقد جمعوا أنفسهم على الانترنيت وأصبحوا يمتلكون سلطة قامت بتغيير نظام السلطة، وهذا قد يفتح الباب أما حركات متطرفة ودعوات مدمرة لجمع الأصوات إليكترونيا ويوطدونها في الواقع وبالتالي في طريقنا نحو للبحث عن الديمقراطية نعمل على تدميرها، لأن الانترنيت يتيح لصوتك أن يجد من يدعمه ويناصره، فيصبح كتلة مدمرة ومخيفة أيضا، يصعب إيقافها، لذلك تصبح مسألة الديمقراطية المباشرة مسالة مخيفة ومرعبة في نفس الوقت مع هذه الوثيرة.

يبدو في خضم هذه الانقلابات والثورات التكنولوجية، أنه يجب علينا الحفاظ على الديمقراطية التمثيلية، لأن الواقع أصبح أكثر تعقيدا الآن، لذلك فما لا يرضي الشعب في ضوء الديمقراطية التمثيلية، هم النواب وليس نظام التمثيل الديمقراطي ذاته ، لذلك فما سيقودنا إليه الانترنيت هو طلب المزيد من الشفافية، من قبل النواب وأن يستجيبوا بحق لحاجات ناخبيهم أو الشعب ككل.

أي أن الانترنيت اليوم يغير بشكل أساسي العلاقة  بين الشعب والقادة، إنه يعطينا اتصالا دائما ومباشر مع الحكومة، ولديه الإمكانية لاستعادة السلطة من القادة الذين خرجوا عن الطريق الصحيح، وفي الآن نفسه بإمكانه أن يأخذ الديمقراطية في طريق مرعب، منقادة من قبل الناس الكارهين والمتصيدين الساعين للانتقام، مهمتنا الآن أن نتعلم كيف نستعمل قوتنا الجديدة بحكمة….