لا تتسولي الحب…

قدت قميصه من دُبر، تستعطفه ليبقى، رثتْ لحالها حُفر الطرقات التي تعثرت بها وهي تلحقهُ لكنه يرفضها، أَشهدَها علنا وبحضور عيون المارة أنه لم يعد يريدها وأن الحب لا يُؤخذ غِلابا.

نعم فهو صدَقَ وإن كان من الكاذبين المتلاعبين لأشهر بعواطفكِ، الحب لا يُؤخذ غِلابا لكن تستوطننا الكرامة غِلابا فأين هي كرامتكِ؟ يذهب رجل ليأتي أفضل منه أو يعود هو إن أجبره النصيب على ذلك، لكن لا تمتهني ذل التسول ستألفينه كلما استبدت بكِ الحاجة العاطفية وستضحين ذلية مهملة كما هو حالكِ الآن.

لم يعجبها حديثي: ولكني لستُ متسولة، أنا فقط أدافع عن حبي، أأقف جامدة أتفرج عليه يتسرب من بين يدي كقطرات ماء؟ا

لتسول يا صديقة اللحظة ليس فقط بسط اليد السفلى لدراهم معدودات في مفترق طريق، التسول أيضا بسط قلب لشخص يرفض أن يسكنه، هو استجداء حب في طريقه إلى الهروب، استجداء مشاعر، استجداء اهتمام واستجداء ِرفْقة علَّ النفس ترضى ولن ترضى فدعيه يذهبْ، ضَمِّدِي الجرح بِرَشَّة كبرياء، انكُثِي الوَعْد، غَيِّرِي أماكن اللقاء، بل غَيِّرِي المذهبْ إن وجدَ لرحيلِه عُذرًا غَبيًّا، فأوجِدِي لنسيانِهِ ألفَ سَببْ.

عندما ذكرتُ النسيان تذكرتْ هي أنه صعب عليها أن تنسى، بل هي – إن صدقتنا القول – لا تحب أن تنسى، تحب أن تتقمص دور الضحية علَّ جلادها يتراجع عن ايذائها وعن تعذيبها بسوط الفراق، لكن متى كان الجلاد رحيما بضحاياه؟ من يجلدكِ جلدتين أي أنه جرحكِ مرتين، ولم يعتبر من الأولى، وجب أن تعاقبيه بالانسحاب الفوري من أراضيه واتركيه يشتم رائحة كرامتكِ وعزة نفسكِ على جلد سوطه.

وعندما ذكرتُ النسيان أيضا تذكَّرْتُ الرائعة ” أحلام مستغانمي” في كتابها ” نسيان ” الذي حظرت بيعه للرجال وكأنه جلسة نسائية صادقة بكل المقاييس، طرحت فيه مشاكل البائسات مع الحب وأوجدت فيه الحلول التي تأبى بعض الغبيات معانقتها، فكتاب الرائعة أحلام وقفتُ عند إحدى عباراتها مشدوهة ضاحكة وهي تقول ” أحِبِّيهِ كما لم تحب امرأة وانسيهِ كما ينسى الرجال “.. نعم فأنت أحببتهِ كما لم ولن تحبه امرأة – كما تزعمين – لكن إن رفض حبكِ انسيه بقوة كما يفعل الرجال، أَصادفتِ يوما رجلا يبكي لفراق إحداهن بحرقة لدرجة أن يمنع نفسه على غيرها، بل بالعكس نسيان الرجل للمرأة يكون بانغماسه في حضن امرأة أخرى وفي نفس الليلة وكأنه يعاقبها رغم أنه يعاقب نفسه، لكنه قوي كفاية لتحمل هذا العقاب، أقوى منكِ وأقوى منا جميعا نحن النساء، قوي لدرجة أنه إن سألتهِ عن اسم حبيبته السابقة التي تركته يجيبُ ببرود تام أنه لا يتذكر، رغم أن اسمها محفور في الذاكرة، فالرجل لا ينسى عطر المرأة التي رفضته فكيف باسمها ؟

هذا الرجل دوما أحييه وحبذا لو منه نتعلم، نتعلم أن نعز أنفسنا ولا نتركها ذليلة، خُلِقْنا في أحسن تقويم فلما هذا الاعوجاج وهذا الانكسار الظاهري والباطني على يد الحب، إن كان الحب سيذلنا فلنصفعه بيد اللامبالاة، اصفعيه ليستقيم أو ليفرغ لك الطريق نحو حياة جديدة.

” ما أسهل الكلام، فلا نُجيد غير إسداء النصائح لكننا نقع في الخطأ ذاته الذي نبهنا إليه الآخرون، كلنا قويات في مآتم الغير ضعيفات أمام أصغر مشاكلنا…  “…

هكذا صفعتني بِرَدِّهَا، وكأنها تنتقمُ مِنِّي لجبرها على نسيانه، تنتقم مني لأني صَيَّرتها ذليلة أمام نفسها، لأني أريتُها صورتها في مرآة الواقع، آلمَتْهَا صورتها وآلمها كلامي، وعندما نتألم نُؤلم من حولنا وهذا شيء بديهي.

أعلم – يا صديقة اللحظة – أنِّي آلمتكِ، لكن اليد التي تضغط علينا بشدة، اليد التي تؤلمنا حتى نتعافى ونعيش الواقع أَحَبُّ إلينا من اليد التي تُمرر بخُبثٍ رقَّتَها على قلوبنا لتصفعنا غَدْرًا.

إن الحب من طرف واحد مميت، لكن نظرته إليكِ وهو يتخلص من تلابيبكِ أمرُّ من الموت، دعي إدمانكِ عليه يمزق دواخلكِ لكن لا تكشفيه له علنا، اتركيه ينهشكِ كما السرطان الخبيث لكن لا أعراض تبدو على السطح، اعرضي نفسكِ على الواقع وستتعافين بإذن الكرامة وستغادرين مصحة القلوب الهشة بأفضل قلب.