عزيزتي أنا

عزيزتي أنا :

أعلم أنك لستِ بخير، وأن صباحكِ لم يعد حُلْوًا كالسكر، أشد ما تكرهينه أن تكون أيامكِ في الحياة يوما واحدا يُكرر نفسه، وأنتِ تكرهين التكرار أعلم هذا، تتساءلين ماذا بإمكانكِ فعله ؟ من أين ستبدئين الرحلة من جديد ؟ ولماذا تقفين هنا على ناصية الحياة صامتة ؟ أعلم أنه كلما فارقكِ أحد الأحبة يأخذ معه نصفا منكِ إلى قبره، يترككِ تائهة تتساءلين كيف السبيل بعدهم؟ وأنا أتساءل ماذا تركتِ لنفسك ِ أنتِ قولي ؟

عزيزتي، الشاي ينتظركِ لتداعبي سُكَّره بكل محبة كما كنتِ تفعلين، قطع الشوكولاتة المهملة المتناثرة هنا وهناك تستعطفكِ لتعدل مزاجكِ، فساتينكِ في دولاب الإهمال تنتظركِ، انزعي عنكِ الأسود واطرديه من قلبكِ، لا تصدقي ذاك الأبله الذي قال لها يوما ” الأسود يليق بكِ “، أنتِ بالذات الأسود لا يليق بكِ، يليقُ بك الأحمر والاًصفر، وحبيبكِ البرتقالي، تعشقكِ الشمس ويطيب للشروق والغروب مجالستكِ، ألوانكِ كانت مُبهجة .. صارخة.. متمردة مثلكِ ، فلما تنامين منذ البارحة على عتبة الصمت تتوسدين الحزن ؟

لطالما سمعت كلماتكِ تصرخ في وجه كل أنثى وتمنحها القوة لتستمر، لطالما أبصرتكِ تلعنين بكاءهن على الأطلال، ولطالما سمعتكِ تقولين لهن كلكن جميلات وكلكن قويات فلا تجعلن شخصا واحدا يُضعفكن ويذلكن أو ينظر إليكن نظرة دونية، فالاحترام أنتن من تفرضنه، والحب أنتن من تصنعنه، والتقدير واجب على كل من يود التعامل معكن، والقوة واجبة لكي تربوا أبناءكن، فالحياة لا ترحم الضعفاء فلما الضعف اليوم ينخر جسدكِ بدون رحمة قولي ؟

نعم تأتي على المرء لحظات يحس فيها انه لا شيء، وأن الحياة بعناد تعاركه، فالحياة عزيزتي تحاربكِ لكنها تصنعكِ، تصنع منكِ أنثى كاملة، ستلحظين الفرق كلما مرت خمس سنوات، ستلحظين أنكِ مستعدة للحياة كما أنك مستعدة للموت، ستلحظين أنكِ أصبحتِ واقعية أكثر، عقلانية أكثر، وحساسة أكثر أيضا.

وبالتأكيد ستلحظين أنكِ أصبحتِ تعلمين ماذا يبغون منكِ أولئك الأشخاص المتحملقين حولكِ لكنكِ تصطنعين الغباء، اصطناع الغباء في بعض الأحيان تمثيلية مسلية، تجلسين أمامها على كرسي الحكمة وتتركينهم فوق خشبة المسرح يُبدعون، نعم يبدعون في أكاذيبهم وفي نفاقهم، تصفقين لهم بكل حرارة ويذهبون موقنين أنك صدقتِ الدور لكن هيهات، الحياة – عزيزتي – لا تعطينا دروسها بالمجان بل تقبض وبسخاء.

يسيء إلى الخواطر أن تبصرين ما خلف النوايا، وأن تكوني على يقين رغم الابتسامات المغلفة بالمحبة أنهم منافقون، ومؤذ يا عزيزتي أن تشعري أنكِ غير قادرة على الاستمرار بين الأقنعة، ومحزن جدا أن يسقط الأحبة من غربال المواقف واحدا تلو الآخر حتى لا يتبقى إلا الأصدق، لكن جيد ان يظل الأصدق فهو يكفي وكفاكِ الله شر الزحام الخانق.

قومي هيا، لا أود أن أشفق عليكِ لأني أعلم أن أشد ما تكرهينه الشفقة، فحتى في فقدكِ تتجنبين كلمات العزاء، تتجنبين نظرات التأسف ، فكم أسْرَرْتِي لي أن الشفقة والرثاء لا يليق بكِ، وأنكِ معجونة من فخر واعتزاز وغرور وكبرياء، وأن الأنوثة بكمالها وقوتها وإبداعاتها تختصرها أنثى الجوزاء.

عزيزتي، ضعي قليلا من حمرة الخدود على الوجنة التي صفعتكِ عليها الحياة واعترفي للمتطفلين أن الخجل عنوانكِ، وقفي مبتسمة كما عاهدتك وعَلِّمِي النائمات على الأطلال طريقة الرقص مع الحياة .. فطالما رقصتِ وإياها على نغمات أقوى وأصعب.