الرئيسية - الواجهة - “عبد الكريم هرواش” أديبٌ من الناظور

“عبد الكريم هرواش” أديبٌ من الناظور

مثل ما تصوَّرْتُه في خلَدي من قبلُ وجدْتُه كذلك في كتاباته من بَعْدُ.

وكما أخذتُ عنه فكرةً سابقَةً تجسَّدتْ لي هذه الفكرةُ في قِصَصِه.

ولم أفاجأ أدنى مفاجأة وأنا أقرأُ كتابيْهِ (الأشقياء) و(الموت في العالم الآخر)، وإنَّما قرأتُهما بهدوءٍ واطمئنان، وبعفْوٍ من الابتسام عند نهاية بعض قصص المجموعتيْنِ.

والذي تصوَّرتُه من قبل، وفكرتُ فيه سابقاً، هو أنَّ صاحبَنا الذي نحْتفي به اليوم، تغلبُ عليه طبيعةُ الأديب؛ فهو (أديبٌ) كثيراً!

ولنْ أكونَ مُغالياً في وصْفِهِ بمفْتونِ الأدب، أو عاشقِ الأدب عشْقاً ملَكَ عليه كلَّ إحساسه وتفكيره، ويقظته ونومه، وهدوئه وقلقه، وسكونه واضطرابِه، وفرحه وحزنه؛ فهو «مريضٌ بهذه العِلَّةِ التي يُسمُّونَها الأدب» (1)

هذا ظنِّي فيه منذ أن عرفته، ورأيته، وسمعتُ منه بعض الحديث، وقرأتُ له بعض الكلام، وما قال “طه حسين” عن صاحبه الأديب وهو يُقَدِّمُهُ لنا في كتابه (أديب) يجوزُ أنْ نقولَ مثله عن أديبِنا “عبد الكريم هرواش” أيضاً، بل صار يُعْرفُ بين أصدقائه باسم (أديب).  

وعلى الرغم من هذا فليسمحْ لي هذا (الأديبُ)، صاحبُ (الأشقياء)، أنْ أقولَ له إني لم أكنْ راضياً عن بعض حكاياته الجميلة كلَّ الرضا، وإنّي لم أتقبلْها كل القبول، لأنها كان ينقُصُها بعضُ المِلْحِ، أو قلْ بعض التميَّزِ، فقد بدت لي مُجانبَةً للمنطق والمعقول، ولوْ تأنَّى فيها قليلاً، ولم يسْتسلمْ لخياله الأدبيِّ كلَّ الاستسلام، وسيْطَر على أفكاره والأحداث والشخصيات، بما يجعلُها واقِعِيَّةً أكثر، لخرجتْ أكثر قوة وإقناعاً وجمالاً، ولنأخذ على سبيل المثال قصة (عاملة نظافة)، ففي هذه القصة مُبالغةٌ مفرطةٌ؛ إذْ يُصوّرُ لنا شقاءَ هذه العاملة في مكانِ عملِها، وما تلقاهُ من قسوة إحدى الموظفات وفظاظة زملائها الموظفين، «فيُغرقونها في سيْلٍ من السَّبِّ والشتم اللاذعيْنِ، وربما الضرب والرَّكل والرَّفْس إذا اقتضى الحال»! كما جاء في صفحة 97… وكأن أولئك الموظفين جميعَهم من جنْسِ الوُحوش لا يعرفون الرَّحْمَةَ، وهم ظالمون كلُّهم، ليس منهم رجلٌ مُحْسِنٌ وعطوفٌ!

وقبل ذلك صوَّرَ لنا شقاءَها مع عمال الفرن الذين «يبيعون لها الخبز المتبقي، بدل أن يرْموه مع قطع الحلوى الفاسدة»! صفحة 96… ثم تُطْرَدُ من عملِها، ثم يضيعُ منها الخاتم الذهبي الوحيد الذي كان أثراً عزيزاً منْ زوجها الراحل، ثم تُقابلُ رجلاً في الطريق، يخدعُها، ويسرقُ منها الخاتم، بعد أن أوْهَمها بالمساعدة في البحث عنه…! وكأنَّ دُنْيانا يخلو منها الطيبون وأهل المروءة والشفقة خُلُوّاً تامّاً!

وأكثر من هذا أن هذه العاملة البائسة تتركُ كل صباحٍ طفلها الرضيع وحيداً في كوخِها «وتغلق البابَ جيداً وراءها وقد حملت معها كل ما هو ثمين»! صفحة 98… وبذلك نضطرُّ نحن إلى أن نتصور أنَّ هذه الأم البائسة تعيشُ في مكانٍ منعزلٍ خالٍ من الناس، وأنها لا تُجاورُ عائلةً، ولا يزورُها أحدٌ، فأَيُّ أُمٍّ تترك رضيعَها وحيداً في مكانٍ منقطعٍ عن الناسِ؟!

ونجدُ صورةً أخرى من المبالغة في قصة (جريمة بلا عقاب)، ففي هذه القصة، نقرأ أن البطل حين يكتشف حقيقة المرأة التي تورط معها في علاقةٍ، وتخبره أنها امرأة متزوجة، لا يكتفي بأن يؤنبه ضميرُه، وينسحبَ من دنياها، وهو يسْحَبُ خلفه أذيال الخيبةِ، بل يستمرُّ في الجرْي وراءها، لا لكي يستمر في علاقتها معها، بل لكي تسنحَ له الفرصة بلقاء زوْجها كثير الأسفار، فيطلب منه الاعتذار، بشكل لن يفضح خيانتَها، ثم يُعيدُه إلى زوجتِه راضياً عنها!

هل يمكن أن يحدث هذا في هذا الأمر بخاصَّةٍ؟!

وصورٌ أخرى من المبالغة في قصص أخرى، لا يسعنا الوقتُ لذكْرِها جميعِها.

ولا يعيبُه ذلك، ولا يقلل من أَجْرِ قصصه، فالحياةَ عيْنُها ترسُمُ قصَصاً لنفسها دون مراعاة أصول القصة الفنية، وكما قال الأديبُ المصريُّ “ثروت أباظة”: «حياةَ الدنيا عربيدةٌ جامحةٌ رَعْناءُ، ترسُمُ خطوطَها وخطوطَ ناسِها كما تشاءُ، فهي بوهيميَّةٌ لا تُراعي أية أصولٍ، وأول أصولٍ تسْحَقُها وتحتقرُها هي أصول القصة» (2).

فليطمئن صديقُنا، وليطمئن أكثر إلى أنَّ قصصه في عُمومِها أَدَبٌ في الطريق، يشفعُ لها الأسلوب المميَّزُ، واللغة المتخيَّرةُ، والنزعة الإنسانية، والصدقُ، والحرارةُ، والعاطفة الجياشةُ.

صحيحٌ أنَّ صاحبَنا اختارَ أشقياءَه من الواقع، لكنَّ خيالَه كثيراً ما جنَح به إلى الغرابَةِ، فجعلَ شقاءَ هؤلاء مُبالغاً فيه أحياناً، إلى درجة أنه صوَّر مُعْظَمَهم ضحايا مُطْلقين، سلبيين، لا يقاومون ظلماً، ولا يدفعون عن أنفسهم عُدْواناً، ويقابلون الشَّرَّ والأذى باستسلامٍ كاملٍ، بل وأحياناً يُضيفون إلى ظلم الآخرين ظُلْمَهم أنْفسهم بأنفسهم.

أغلبُ القصص طغى عليها التفكيرُ العاطفيُّ إنْ جازَ لنا هذا الوصْفُ، والعاطفة إذا فكرت، أو التفكيرُ إذا عَطَفَ، فإنَّ الكلامَ يؤثر في نفوس المخاطبين والمتلقين، ويجعلهم يشاركون شعورَ المتكلم مُشاركةً قويّةً أو ضعيفةً، ويقاسمونه التفكير قسمةً كبيرةً أو ضئيلةً، ثم يوافقونه أو يعارضونه، ويرضون عنه أو لا يرضوْنَ…

ومن جهتي أعترفُ أني وافقتُ “عبد الكريم هرواش” في أغلب قصصه، وبادلتُه شعوره وتفكيره، وهو يعرض علينا صُوراً من حياة أبناءِ إقليم الناظور، وتجارب من حياته هو، وحياة أصدقائه، وحياة نماذج بشريةٍ مختلفةٍ، أغلبها من الطبقة الفقيرة، المسحوقة، المشردة، المُجرَّدة من أبسط مقومات الحياة الكريمة، وقد اختارَ منها أطفالاً مشردين، ونساءً بائساتٍ، وشبابا عاطلين، وتلاميذ مشاغبين وغير مشاغبين، ومجانين ليسوا مجانين، وخارجين عن القانون، وعشاقا وعاشقات متزوجين وغير متزوجين، ورجالاً قفزوا في الحياة قفزاتٍ عجيبةً، رفعتهم قليلاً، ثم هوت بهم في قرارٍ سحيقٍ، أو قضت عليهم تماماً..!

«وراء كلِّ كتابٍ كدْحٌ وعناءٌ، وراءه الشيءُ الكثيرُ من الفرح والتعاسة معاً»- كما جاء في كتاب السيرة الذاتية لـ “أليف شافاك”، (حليب أسود)-.

وكتابا “عبد الكريم هرواش” اللذان نتحدث عنهما في هذا اللقاء، ينطبق عليهما هذا الحُكْمُ، مع إشارتِنا إلى أنَّ التعاسَةَ هي التي تطغى، بينما الفرح يغيبُ عنهما.

وكثيراً ما ختَمَ “عبد الكريم” قصصاً له بخاتمة المَوْت، ووضع المَنُونَ حتْفاً لا ريْبَ فيه لكثيرٍ من شخصياته القصصية، والأستاذ “نور الدين الفيلالي” أشار إلى هذه المسألة في تقديمِه لمجموعة (الأشقياء)، حيث قال: «غالباً ما يكونُ مصيرُ البطل/الشقي هو الموتَ المحتومَ، إما لعوامل طبيعية أو بشرية، وهذا ما يطرح قضية إنسانية ساميةً في المجموعة القصصية» صفحة 6، وأعتقد أنَّ “عبد الكريم” اختارَ الموتَ لأبطاله الأشقياء، كحلٍّ وخَلاصٍ، أو كقَضاءٍ نافذٍ لبَعْضِهم، وكأنَّه يرى الموتَ هو الدواء الشافي لأزمات هؤلاء، وهو الترياقَ الأخيرَ لمعاناة بؤسائه وأشقيائه.. وقد يكون في ذلك مبالَغَةٌ، ولكن أليست الحياةُ نفسُها تقسو قسوةً بالغةً على هؤلاء؟.. أليس أكثرُ الناسِ يُبالغون في اللامبالاة.. وفي الأنانية.. وفي الفوارق الطبقية بينهم.. وفي استغلال الظروف.. وانتهاز الفرص.. والاستئثار بالمكاسب ونِعَمِ الحياة؟!

أليس هؤلاء الأشقياء يموتون في عالمهم كل يومٍ وهم أحياء، فلماذا لا يموتون الموتَ الحقَّ، فيرتاحون من شقائهم راحةً نهائيَّةً؛ فأَمْرُ الموتِ والحياةِ لا يُساوي أمام الواقعِ شيْئاً، كما جاء في قصته (الموتُ في العالم الآخر) صفحة 89؟!

نعم، نجدَ صورَ هذه المبالغة، ومظاهر القسوة الإنسانية، وأشكال الظلم والقهر والعذاب والآلام الكبيرة في قصص المجموعتين، كما نجدها في الواقع.

إنَّ الموْتَ في قصص “عبد الكريم هرواش” تأكيدٌ على الشقاء والعذاب في حياة نماذجه القصصية.

إنَّ “عبد الكريم” لم يخترْ الموتَ نهاية لهؤلاء إلا بدافع الرحمة والشفقة على هؤلاء، وإلاَّ يأساً من تغيير النفوس، وتبدل الأحوال، وإلاَّ لأنه في طبيعته (أديبٌ)، يأْلَمُ لآلامِ الآخرين، ويبْتغي لهم الرحمةَ ولو جاءت رصاصَةً..!

نعم، هو (أديبٌ)، وللأديب طبيعة خاصَّة، ونفسٌ هشَّةٌ، وضميرٌ يتعذَّبُ، وذِهْنٌ يقِظٌ يأْرق ويسهرُ الليالي، يفكر في الحياة والأحياء، ويتأمل الوجودَ والموجودين، وقد وجدْنا كلَّ هذا في كثيرٍ من قصص “عبد الكريم”، حيث حدثنا عن سهره الليالي، وتأمله لبعض أبطال قصصه، وطول انشغاله بأحوالهم ومصائرهم. ولعلَّ اشتغالَه في الصحافة فترةً من الزمن زادتْ اهتمامَه هذا بقضايا مجتمعه قوةً، وجعلته يعرفُ كيف يتعاملُ معها باحْترافٍ.

وقبل أن أختِمَ ورقتي هذه أُحِبُّ أن أكشِفَ لصديقي “عبد الكريم” عمَّا سيْطَرَ عليَّ من شعورٍ وتفكيرٍ أثناءَ قراءتي لقصصه؛ وهو أنّه كان متأثراً بـ “طه حسين” وهو يكتب قصصه هذه، وبخاصة قصص مجموعته (الأشقياء)، وأنه أنشأها كما أنشأ “طه حسين” قصص مجموعته (المُعذَّبون في الأرض)، ولستُ أدري هل سبق له أن قرأ (المعذبون في الأرض)، أو غيرَها من أعمال “طه حسين” أم لم يقرأها؟…

فقصص “عبد الكريم” وقصص “طه حسين” تتحدث عن نماذج من البشر متشابهة ومتقاربة؛ فهي تصور بؤس البائسين، وحرمان المحرومين، وشقاءهم في الحياة، وحتى الإهداءُ الذي صدَّر به “عبد الكريم” مجموعتَه (الأشقياء) يشبه الإهداء الذي صدَّر به “طه حسين” مجموعته (المعذبون في الأرض)؛ فأديبُنا الشابُ قال:

«إلى من أحاطت الحياةُ حياتَهم بسياجٍ منيعٍ من البؤس والشقاء..

وقذفت بهم في غياهب التهميش والإقصاء..

فأصبحت أنوارُ العمر وظلماتُه في أعينهم سواء…

إليكم يا إخوتي الأعزاء.. أرفع هذا الإهداء.»

ولنلاحظْ أن “عبد الكريم” في كلمات إهدائه حرصَ على أن تكون لغتُه شاعريَّةً، مما يدلُّ على أن الأدب يملأ نفسه تماماً.

وعميدُ الأدب العربي قال:

«إلى الذين يُحْرقُهم الشَّوقُ إلى العدْلِ، إلى الذين يؤرِّقهم الخوفُ من العدْلِ، إلى أولئك وهؤلاء جميعاً أسوقُ هذا الحديث.

إلى الذين يجدون ما لا ينفقون، وإلى الذين لا يجدون ما ينفقون، يُساقُ هذا الحديث.»

وحتى في قصته (عودة الغريب) من مجموعته (الموت في العالم الآخر) لَمَسْتُ فيها حديثاً عن قريتِه يشبه حديث “طه حسين” عن قريةٍ له في روايته (أديب)، وأرجِّحُ أنْ يكونَ “عبد الكريم” قدْ قرأ (أديب) فتأثر بها قليلاً، وزادَ عندي هذا التَّرْجيحُ حينما وجدتُ تقارُباً بين فكرة سفر البطل في قصة (الموت في العالم الآخر) وبين فكرة سفر بطل رواية (أديب)؛ فكلا البطليْنِ اضطرّا إلى الكذب من أجل تحقيق حُلْمِ السَّفَرِ إلى بلاد الغَرْبِ، وكلاهما كانت حُجَّتُهما متابعةَ الدِّراسة، والفرق بينهما أنَّ بطلَ “عبد الكريم هرواش” – من أجل تحقيق هذه الغاية – كذب على أمِّه، وبطلَ “طه حسين” طلَّقَ زوْجَتَه…!

أما إذا كان “عبد الكريم” لم يقرأ رواية “طه حسين”، وكتب قصته هذه بوحْيٍ من أدبه الخالص، فذلك ما يؤكد لنا على أنه (أديبٌ) موهوبٌ، يمكنُ له أنْ يكتبَ على طريقة الأدباء الكبار، وإنِّي أراه يسيرُ على آثارهم في سمْتِه وفي قلمِه.. والدليلُ على هذا اللغةُ التي كتب به قصصه؛ فهي لغة أدبٍ نقِيٍّ، وإنْ تخلَّلَها أخطاءٌ محْصورةٌ يقعُ فيها كثيرون، ونرجو أن لا يقع فيها في أعماله القادمة بحَوْلِ الله.

بقيت مسألةٌ أحبُّ أن أضيفَها في نهاية هذه الورقة، وهي الرسائل التي أنشأها أديبُنا في بعض قصصه، حتى أنَّ منها ما يندرجُ في أدب الرسائل وليس في أدب القصة، أقولُ إنها رسائل عاطفية خالصة، حزينة، فيها لوعة وشكوى وعتاب واستسلام للقدر والفراق، تدُلُّ على أنَّ “عبد الكريم” جرَّب كتابة رسائل في فترةٍ من شبابه، وسكبَ فيها قِطَعاً من نفسِه، ورسمَ ألواناً من عاطفته، وتدلُّ مرَّةً أخرى على احتمال تأثره بـ “طه حسين” في روايته (أديب)، التي جاءت فيها رسائل أنشأها العميدُ على لسان البطل، وتدلُّ أكثر على طبيعة “عبد الكريم” التي تغلب عليه، وهي كما قلنا في أول كلامنا، ونؤكد عليها في آخر كلامنا، أنها طبيعة (أديب)!